بين رفع الحصار.. ورفع النظام: بقلم: صلاح عيسى

لأن النصر له الف اب, والهزيمة لا اب لها, فقد تنصل الجميع من المسؤولية عن هزيمة العراق في حرب الخليج الثانية, بما في ذلك الذين شجعوا الادارة العراقية على مواصلة احتلالها للكويت, واعتبروه خطوة اولى في اتجاه الوحدة العربية الشاملة, وقفزة كبرى نحو تحرير القدس, فدفعوه بمواقفهم السياسية ومظاهراتهم ومقالاتهم لمواصلة الاندفاع في الطريق الذي انتهى بتدمير اقوى الجيوش العربية, وبوضع العراق تحت الحماية الدولية, وبانهيار جبهة الصمود والتصدي, وبتفكيك الامة العربية بل وتحويل حلم الوحدة العربية الى وهم والذي لم يقفز بنا الى تحرير القدس, بل قادنا الى مدريد ثم (أوسلو) واوقعنا بين براثن (نتانياهو) . وخلال السنوات الست التي انقضت, بدأت النظم العربية التي ساندت مغامرة غزو الكويت او تقاعست عن الوقوف بوجهها, تتنصل من مسؤوليتها عما حدث, وتنتقل تحت وطأة الضغوط الاقتصادية الى الضفة الاخرى, وتسعى للمصالحة مع دول الخليج ومع الكويت والسعودية, لكي تفلت من آثار الحصار, وتتعامل مع المستجدات السياسية التي افرزتها الهزيمة, الى ان اصبح النظام العراقي يقف وحيدا, او شبه وحيد, في مواجهة الوصاية الدولية المفروضة عليه, والتي لم يعترض عليها احد اعتراضا جديا, او بمعنى أدق, التي لا يستطيع احد ان يعترض عليها. بل ان المعارضة العراقية.. بمختلف فصائلها لم تكتف بتأييد الحصار بل وانفردت خلال الازمة الاخيرة بين الادارة العراقية ومجلس الامن ـ بتشجيع الامريكيين على التدخل العسكري لاسقاط النظام في الوقت الذي عارض فيه النظام العربي هذا التدخل بما في ذلك السعودية والكويت. والحقيقة ان موقف المعارضة العراقية قد ازعجني بشدة, ليس فقط لأنه بدا متناقضا تماما, مع التوجه العربي العام ــ الشعبي والرسمي ــ لمعارضة التهديدات الامريكية, بل لأن بعض اقطاب هذه المعارضة لا يجدون في صلتهم بالدوائر الاجنبية او في تنسيقهم معها ما يدعو للانكار, او للاخفاء ويعتبرون انه من حقهم ان يتحالفوا مع هذه الدوائر بل ومع الشيطان نفسه ومن اجل تحقيق هدفهم في اسقاط النظام الذي يعارضونه, وهوانقلاب تام في مفهوم المعارضة الوطنية الذي ظل طوال المرحلة القومية يعتبر التناقض مع العدو الخارجي تناقضا رئيسيا والتناقض مع العدو الداخلي تناقضا ثانويا, ولا يجيز تخليب التناقض الثانوي على التناقض الرئيسي, او التحالف مع العدو الخارجي ضد الحكم الوطني تحت اي ظروف.. وهو (انجاز تاريخي) آخر لمغامرة غزو الكويت, لا يقل اهمية, عن انجازها الرئيسي, وهو تأكيد حق العرب في الاستعانة بقوى اجنبية للدفاع عن انفسهم ضد العرب. وتخطىء المعارضة العراقية, كما تخطئ الولايات المتحدة الامريكية وتخطىء الكويت, وبعض دول الخليج التي تستشعر الخطر من رفع الحصار عن العراق, اذا تصورت ان استمراره سوف يضعف النظام ويدعو الشعب العراقي لاسقاطه, اذ العكس هو ما حدث وما سيحدث, فقد ادى الخطر الاجنبي المتمثل في الحصار الى نوع من الوحدة الوطنية في الداخل, حشدت الشعب العراقي حول حكومته لمواجهة العدو الخارجي, وهو امر طبيعي في مثل هذه الظروف, ولكن عكس ما يظن هؤلاء, وما تعتقد المعارضة العراقية في الخارج فان رفع الحصار وتراجع الحظر الخارجي, هو وحده الكفيل بأبراز التناقضات بين الشعب والحكم,وسوف يؤدي بالقطع الى اعادة فتح كل الملفات وتقييم كل السياسات والمحاسبة على كل القرارات.. من قرار الحرب مع ايران, الى قرار غزو الكويت. ويخطىء الذين يتوهمون ان الادارة العراقية تسعى لرفع الحصار او تأسى لما يتعرض له شعبها من كوارث وهو ما تؤكده سياستها في تنفيذ قرارات مجلس الامن, التي تبدأ عادة بالتسويق واثارة العقبات ثم تنتهي بالانصياع التام على نحو يؤكد ان الهدف هو تضييع الوقت وابقاء الحصار لأطول فترة ممكنة, وهي سياسة تهدف الى تذكير الشعب العراقي في الداخل بالخطر الخارجي, واثارة عواطفه الوطنية, وحشد تأييده لها بدعوى انها تقاوم هذا الخطر, كما تهدف الى اثارة مخاوف جيرانها, ومخاوف الولايات المتحدة ومجلس الامن علي نحو لا يمكن ان يؤدي الا الى ابقاء هذا الحصار, ليس فقط لانها تدرك ان رفع الحصار الخارجي, سوف ينتهي بمحاصرتها داخليا, ولكن كذلك لأنها تدرك ان الادارة الامريكية تصر على الربط بين رفع الحصار, وبين رفع النظام من الخدمة, وهو ما تسعى للحيلولة دون حدوثه, حتى لو استمر الحصار الى الابد. ولم يعد سراً الآن, ان الادارة العراقية, لم تكن تهدف من الازمة الاخيرة مع لجنة التفتيش الدولية التي بدأت باتهامها الأعضاء الامريكيين باللجنة بالتجسس وانتهت بقبولها السماح للجنة بالعمل بكامل تشكيلها وبما تضمه من جواسيس امريكيين الا لشيء واحد, هو محاولة اسقاط السياسة الامريكية التي تربط بين رفع الحصار ورفع النظام من الخدمة. ويخطىء النظام العراقي اذا تصور انه نجح بمناورته الاخيرة في احداث شرخ في التحالف الدولي المعادي له, اذ الواقع ان الذين وعدوه بمحاولة التوصل الى حل وسيط يتناسب فيه رفع الحصار طرديا مع تنفيذه لقرارات مجلس الامن, وفي مقدمتهم الروس, أعجز من ان يفعلوا شيئاً. وهو يخطئ كذلك اذا اساء فهم الموقف العربي الشعبي والرسمي المعارض للتدخل العسكري الامريكي, الى الواقع ان هذاالموقف قد بنى على مبررات ليس من بينها تأييد موقفه في الازمة, او الحرص على بقائه واستمراره من بينها ان مبدأ اسقاط النظم بواسطة تدخل عسكري اجنبي, ليس من الامور التي يمكن ان تلقى تأييدا من اي نظام حاكم, وفضلا عن ان معاناة الشعب العراقي من آثار الحصار, تثير تعاطفا شعبيا عربيا واسعا, فقد جاءت المعارضة العربية الشاملة للرغبة الامريكية في التدخل عسكريا ضد النظام بمثابة احتجاج على السياسة الامريكية التي تكيل بكيلين, فتهدد العراق بالتدخل العسكري لمجرد انه توقف عن تنفيذ قرارات مجلس الامن, بينما لا تمارس اي ضغط على (نتانياهو) الذي اوقف مسيرة السلام, وتنكر لاتفاقيات وقعت عليها بلاده, بل وبروتوكولات وقع عليها هو نفسه, تستند الى قرارات مجلس الامن! وتخطىء القوى الشعبية العربية المتعاطفة مع ما يعانيه شعب العراق من مصاعب, اذا صمتت عن مسؤولية النظام العراقي عن هذه المعاناة, او تجاهلت ان يتخذ من شعبه دروعا بشرية, لكي يبقى في الحكم, ويقاوم كل محاولة لمحاسبته على سياسات جلبت عليه وعلى الامة كوارث لا اول لها ولا آخر.. واذا كان من واجب هذه القوى, ان تتصدى للتهديدات الامريكية بالتدخل العسكري لاسقاط النظام العراقي, باعتبار ان ذلك تدخل في الشؤون الداخلية لا يقيله احد, وان نطالب برفع الحصار, باعتبار ان الشعب العراقي, هو الذي يضار من استمراره, فضلا عن ان النظام يستفيد من بقائه, فمن واجبها كذلك الا تنظر للوضع الراهن للمسألة العراقية بشكل جزئي ومن زاوية واحدة وبعيدا عن التاريخ وهو الخطأ الذي وقعت فيه قوى سياسية عربية كثيرة في اعقاب مغامرة غزو الكويت, حيث ركزت على المطالبة بانسحاب الجيوش الاجنبية, التي تدفقت على المنطقة دون ان تطالب العراق بالانسحاب من الكويت, فمهدت بذلك للكارثة. اما وقد اصبح النظام العراقي, هو جوهر المسألة العراقية واصبح رفع الحصار عن العراق, وما يتتبعه من رفع المعاناة عن الشعب العراقي رهين برفع هذا النظام من الخدمة, فلا يجوز لأحد ان يفصل بين الامرين, واذا اردنا ان نتوقى التدخل الاجنبي. فعلينا ان نسحب من تحت اقدامه البساط. باختصار ووضوح, فليس هناك حل للمسألة العراقية, الا بأن يتغير النظام العراقي من الداخل, بأن يعلن برنامجا سياسيا لمرحلة ما بعد رفع الحصار, يلتزم فيه باحترام سيادة واراضي جيرانه, وباتباع سياسة حسن الجوار معهم, ويلتزم فيه, امام شعبة بالديمقراطية وحقوق الانسان, وبالتعددية الحزبية, ويفرج عن المعتقلين والمسجونين السياسيين ويصدر عفواً عاماً عن المعارضين في الخارج, تمهيدا لاجراء انتخابات حرة تحت اشراف دولي محايد. ولا يجوز لأحد ان يتحدث عن رفع الحصار بلا شروط, او عن معاناة الشعب العراقي, وكأن النظام الذي يحكمه ليس مسؤولا في الماضي والحاضر عن هذه المعاناة! كاتب مصري *

تعليقات

تعليقات