مــع النــاس:بقلم : عبد الحميد أحمد

لست من المتحمسين للمفكر الفرنسي روجيه جارودي, لأن من ينقلب من المسيحية إلى الشيوعية وما بينهما من بوذية وغيرها, إلى الإسلام , لا نضمن نحن المسلمين من أن ينقلب علينا يوماً فيتحول إلى ما هو أسوأ من البوذية والشيوعية, فيصبح لا يهودياً فحسب, بل صهيونياً. ويذكرنا هذا المتقلب في معتقداته ودينه بالمسيحي الذي أسلم فطالبوه بالختان, فلما عرف أنه لابد أن يتطهر ولا يمكنه الرفض قرر العودة عن الإسلام, فلما أخبروه أن جزاء ذلك القتل وقطع الرأس صرخ: ما هذا الدين الذي إذا دخلناه قطعوا (...) وإذا خرجنا منه قطعوا رأسنا؟ غير أن تلك مجرد نكتة لا أكثر, لولا أنها على طريقة لا يوجد دخان من غير نار, تدل على أن إسلام مثل هذا المسيحي سطحي, بدليل أنه على استعداد فوري للتراجع عند أول (محنة) , مما نرجو ألا يكون جارودي من هذا النوع من المسيحيين الذين أسلموا. لذلك فجارودي الذي تقلب فاستقر مسلماً, لابد أنه يدرك أن الخروج من الإسلام ليس مثل الدخول إليه, ثم أن مفكراً في مستواه لابد أن يكون قد اختار الإسلام ديناً ومعتقداً بقناعة تامة وعبر فكر حر وبعد دراسات مستفيضة وتفكير عميق, ما يجعل احتمال عودته عن الإسلام إلى دين آخر, على نحو ما تخوفت في بداية الزاوية, أمراً صعباً إلى مستحيل, فالإسلام دين الفطرة والعقل معاً, لا يدخله إلا من كان مؤمناً وعلى قناعة تامة بتفوقه على كافة المعتقدات والأديان والرسالات, وبوصفه آخر الرسالات التي أكملت للبشرية دينها. وبما أن جارودي الذي تحول من روجيه المسيحي إلى رجاء المسلم يواجه اليوم محنة في بلده فرنسا, حيث يحاكم بتأليب من الصهيونية وأعوانها بتهمة معاداة السامية وشتم اليهود في كتابه (الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية) فإن الرجاء هو أن يثبت رجاء على موقفه ولا يتزحزح عنه, طالما أن إيمانه بما قاله كبير وطالما أن إيمانه بالله وبالإسلام أكبر. غير أن جارودي المفكر لم يهاجم السياسة الإسرائيلية لمجرد أنه مسلم, بل هاجمها لأنه مفكر حر رأى في هذه السياسة آثاماَ وأخطاء, أقلها أنها تستغل خرافة ما يسمى بالهلوكوست النازي لتمرير سياساتها ولإرتكاب ما هو أبشع من الهلوكوست نفسه في الأراضي المحتلة وغيرها, أهمها الإحتلال والقتل والبطش ومصادرة الأراضي والحريات والقمع, فأدانها بوصفها خطراً على البشرية كلها. مع ذلك فإن جارودي يتعرض لنوع من الاضطهاد, لا بسبب آرائه وكتابه فحسب, بل بسبب إسلامه أيضاً, وربما كان هذا هو السبب المباشر, لأننا لم نسمع بعد في الغرب خاصة في ظل ديمقراطيته المعاصرة من تعرض للمحاكمات بسبب الرأي, فهذا مكفول في الدساتير والقوانين, ما يجعل على المسلمين من عرب وعجم واجب تأييده ودعمه مادياً ومعنوياً فذلك من أبسط حقوقه كمسلم على إخوانه المسلمين. وبما أن المثقفين والمفكرين في الغرب في حالة صمت عن جارودي ومحنته, ما يجعلهم محل إدانة خاصة وهم الذين يتشدقون بحرية الرأي والمعتقد فنتذكر هبتهم للدفاع عن سلمان رشدي مثلاً, فإن صمت المسلمين عموماً والعرب خصوصاً عن الدفاع عن جارودي ومساندته ولو بإرسال برقيات التأييد مما يدخل في أضعف الإيمان, يستحق الإدانة أكثر, لأن من نتائج هذا الصمت أن يكفر جارودي بالإسلام والمسلمين ويتراجع عن موقفه في لحـظة ضعف محتملة, لولا أن ذلك مستبعد على مفكر من طراز جارودي اهتدى إلى الإسلام بعقله وعلمه كما أسلفنا, فنتمنى ثبات قلبه من دون حاجة إلى دعم المسلمين, فهؤلاء بحاجة إلى من يدعمهم ويثبت قلوبهم على الإيمان.

تعليقات

تعليقات