الصراع الدولي حول بحر قزوين

عندما اختار الرئيس محمد خاتمي ان تكون أول زيارة له خارج بلاده الى تركمانستان, فقد أضاف بعداً جديداً للأهمية الاستراتيجية لبحر قزوين , وأعطي دفعة للدور الإيراني في حلبة الصراع الإقليمي والدولي حول نفط هذا البحر ومستقبلة, والدول التي سوف تحظي بالقدر الأكبر من عوائده, وبحر قزوين, أو بحر الخزر كما يعرف في اللغة العربية, هو بحيرة مالحة, ويعد أكبر بحر داخلي في العالم. وتطل على شواطئه كل من: إيران وروسيا وأذربيجان وكازاخستان وتركمانستان. وإذا كانت الأهمية الاستراتيجية لبحر قزوين ارتبطت, في فترة الحرب الباردة, بالعلاقة بين إيران - التي كانت على ارتباط بالمعسكر الغربي, - والاتحاد السوفييتي, فإن انهيار الاتحاد السوفييتي, وبزوغ ثلاث دول جديدة, علاوة على إيران وروسيا, وما ارتبط بهذا التعدد من تنوع في المصالح واختلاف في السياسات الخارجية, فضلاً عن ثروات البحر النفطية والتي تقدر بما يعادل الاحتياطي السعودي, كل ذلك, وضع منطقة بحر قزوين كأحد الساحات الجديدة للتنافس الدولي. فقد أدي ازدياد عدد الدول الناشئة حديثا والمطلة على البحر الى إثارة مشكلة بشأن كيفية اقتسام ثرواته, حيث أبدت هذه الدول عدم التزامها بمعاهدتى 1921 و1940 المبرمتين بين إيران وروسيا بشأن بحر قزوين, واللتان تنظمان عملية استغلال ثرواته بين الدولتين. أضف الى ذلك, ان الحزام الجغرافي لبحر قروين يمتد الى آسيا الوسطي, بكل ما تشهده دولها من صراعات داخلية وخارجية. وفي إطار التخطيط للمستقبل, فقد طرح عدد من مراكز البحوث الغربية أهمية تطوير نفط بحر قزوين في السنوات القادمة, حتى يصبح بديلاً فيما لو تهددت مصادر النفط في دول الخليج. ولقد شهدت السنوات الثلاث الأخيرة تنافساً بين الدول المطلة على بحر قزوين حول كيفية اقتسام ثرواته, وحول القواعد المنظمة لذلك, وأدي هذا الخلاف الى تدخلات من قبل أطراف أخرى لدعم موقف هذا الطرف أو ذاك, فعندما أقدمت أذربيجان, على منح امتيازات للتنقيب عن النفط في أعماق البحر بدون التنسيق أو التشاور مع جيرانها, أعلن كل من إيران وروسيا, في أعقاب اجتماع مشترك بين مسؤولي البلدين عقد في طهران في اكتوبر ,1995 (معارضتهما لأي عمل منفرد) قد يؤدي الى تقسيم البحر, وأكد البلدان على أنه من الضروري الاتفاق أولاً بين الدول المطلة على البحر بشأن الأسس الخاصة بالاستفادة من موارده. وعكس هذا الموقف عدة توجهات. فأذربيجان هدفت, من خلال سلوكها الفردي, الى الخروج من السيطرة الروسية, والبحث عن منافذ لنقل النفط خارج روسيا, هذا من ناحية, ومن ناحية أخرى, فإن كلاً من روسيا وإيران اعتبر مثل هذا التحرك محققاً لأهداف الولايات المتحدة في إيجاد مواقع أقدام لها في المنطقة. والحقيقة ان التطور السياسي في اذربيجان ارتبط بهذا الاختلاف مع روسيا وإيران. فقد أدت توجهات الرئيس الأذربيجاني السابق, أبو الفضل التشيبي, نحو أمريكا والدول الغربية عموماً الى استعداء كل من روسيا وإيران, واللتان استغلتا حالة عدم الاستقرار الداخلي في أذربيجان ودعمتا خصوم الرئيس التشيبي, مما انتهي الى ازاحته في يونيو ,1993 وتولي حيدر علييف رئاسة الدولة. ولفترة تصورت موسكو ان علييف, الذي رأس جهاز المخابرات السوفييتي, في وقت سابق, سوف يكون حريصاً على المصالح الروسية في بلاده, ولكن سرعان ما تغيرت الصورة. فبعد مرحلة أولى من التهدئة مع أرمينيا, وعدم الافصاح عن اتجاهاته الخارجية, سلك علييف نفس اتجاه سلفه. وفي سبتمبر ,1994 أبرمت أذربيجان اتفاقية مع مجموعة من الشركات الأجنبية للاستكشاف والتنقيب عن البترول في المناطق المحاذية لبحر قزوين في اقليمها. وبمقتضي هذه الاتفاقية, حصلت الشركات الأمريكية على نصيب الأسد بنسبة 27% من إجمالي الاستثمارات, تلتها روسيا بنسبة 18%, ثم بريطانيا بنسبة 13%. وسعت أذربيجان الى خلق بذور التنافس بين إيران وروسيا, والى الحفاظ على مصالح موسكو في أذربيجان, بخلاف الحال مع إيران, ففي الوقت الذي حرصت فيه أذربيجان على ان يكون للشركات الروسية نصيباً في عمليات التنقيب عن النفط في أقليمها, فقد ألغت حصة إيران في عقد مماثل, والتي كانت تصل الى 5%, وأعطتها الى شركة اكسون الأمريكية في يونيو 1995. مع ذلك, فعندما يثار موضوع نفط بحر قزوين, فإنه لايمكن تجاوز الدور الرئيسي لكل من إيران وتركيا, ذلك ان المشكلة الرئيسية المتعلقة بهذا النفط تتمثل في كيفية نقله من بحر قزوين, الذي كما قلنا بحر داخلي مغلق, الى ممرات التجارة الدولية, خصوصاً مع رغبة الدول الثلاث, الوريثة للاتحاد السوفيتي على البحر, في عدم الأعتماد على روسيا في هذا الصدد, بخلاف ما كان في السابق. وعلى سبيل المثال, فبالنسبة لاذربيجان, يتم البحث في أربعة احتمالات خاصة بإنشاء خطوط أنابيب لنقل النفط, واحد منها فقط من المقترح ان يمر عبر روسيا, بينما الثلاثة الأخرى يقترح ان تمر من خلال تركيا, وفي هذا المجال أيضاً, تدخل إيران حلبة المنافسة بشأن نقل النفط, وفي زيارة الرئيس خاتمي لتركمانستان, في الشهر الماضي, تم الاتفاق بشأن خط لتصدير النفط التركماني الى شمال شرقي إيران, الأمر الذي جعل إيران محتملاً لنقل احتياطات النفط الهائلة في حوض بحر قزوين. واجتذبت الفرصة التي يقدمها نفط بحر قزوين طرفاً دولياً صاعداً في الاقتصاد العالمي, وهو الصين, حيث قامت شركة النفط الوطنية الصينية, في سبتمبر الماضي, بشراء أغلبية الأسهم في ثاني اكبر حقل نفطي في كازاخستان, وذلك في مواجهة منافسة أمريكية حادة, وهو الأمر الذي تطلب تدخل لي بينج رئيس الوزراء الصيني شخصيا, والذي قام بالاتصال تليفونيا بالرئيس الكازاخي نور سلطان نزارباييف من أجل ابرام الصفقة مع الصين, وفي اطار هذا العقد, تعهدت الصين بإنشاء خطين للانابيب, الأول يتجه الي مصافي النفط في شمال إيران, والثاني يصل الي الصين نفسها بطول 2900كم. وهكذا, تبرز منطقة بحر قزوين كأحد مجالات التنافس السياسي والاقتصادي في مرحلة ما بعد الحرب الباردة, فتتداخل أدوار الأطراف الأقليمية كتركيا وإيران, والدول المطلة على البحر, مع أدوار القوى الدولية كالولايات المتحدة والدول الأوروبية والصين. ومن خلال تفاعل هذه الادوار تتداخل المصالح وتتقاطع. وإذا كانت مشكلة نفط بحر قزوين قد تمثلت, في المقام الأول, في كيفية نقله, فإن ما نشهده الآن من اتفاقات ومشروعات يعطى الانطباع بأن هذه المشكلة في طريقها الى الحل في السنوات القادمة. والسؤال الذي ينبغي فصحه: ما هو أثر ذلك كله على الأهمية الاستراتيجية لنفط منطقة الخليج, ومن ثم, للمنطقة كلها؟ عميد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية * * بقلم: د. على الدين هلال

تعليقات

تعليقات