مــع النــاس

هناك موجة موت تجتاح العالم, ليسمح لنا القارىء ان نرصد بعض ابرز حصيلتها واسبابها, دون ان نقصد ازعاج صيامه ولا افساد مزاجه , فيما لو كان له مزاج للتسلية وقراءة ما يسر الخاطر ويفرفش الفؤاد, فالوجه الاخر للحياة المقابل للسعادة والمرح هو الالم والحزن. وبما ان الانسان اذا لم يمت بالسيف (هذه الايام حلت محله البنادق والمسدسات والمدافع والراجمات والصواريخ) مات بغيره, فمن الغير هذا ما هو ليس بسلاح, اذ يكفي ان يسوء الطقس, فيسخن مثلا أو يبرد إلى معدلات غير متوقعة وفي مناطق غير مؤهلة, لكي يموت الناس بالعشرات والمئات دفعة واحدة. فهناك اكثر من 120 بنغاليا حتى امس ماتوا بسبب البرد الشديد الذي يوصف بأنه الاسوأ على بنجلاديش منذ سنوات, ولابد ان يكون البرد الذي يقتل قارسا وزمهريرا إلى درجة يجمد الدم في الاطراف والعروق, وهذا لن يجمد الا اذا كان يجري في عروق انسان ليس لديه مأوى, أو ليس لديه ادوات تدفئة من حطب ونار, أو ليس لديه ما يكفي من ملابس يتدثر بها فتقيه البرد, أو ليس لديه ما يكفي من مأكل يحتوي على سعرات تمنحه الحرارة اللازمة لمقاومة البرد. هذا مثلا قدر هؤلاء الذين يمكن ان تصفهم وكالة عالمية في تقرير لها عن موتهم بالفقراء, فنعرف ان الفقر سبب آخر هذه الايام للقتل والموت, من الذي قال عنه علي بن ابي طالب كرم الله وجهه انه لو كان رجلا لقتلته. ونترك الفقراء إلى اخوانهم الجوعى, فهؤلاء من اندونيسيا هذه المرة مات منهم حتى الآن حوالي 700 شخص من الجوع بسبب اسوأ موجة جفاف يتعرض لها نصف البلاد, فيما هناك حوالي 15 الف شخص حاليا في احد الاقاليم ينتظرون مصيرا مماثلا بسبب الجوع. ودائما هناك وصف (أسوأ) كما يلاحظ القارىء لموجة الجفاف أو البرد أو الفيضان أو الزلزال, بحيث نحمل الطبيعة وحدها مسؤولية القتل, فيبرأ منها الانسان, مع ان هذا ليس بريئا من الاشتراك في الموت بما يفوق ما تصنعه الطبيعة, مما نراه في الفصلين التاليين: في الاخبار ان حوالي 600 مدني افغاني ذبحوا في محافظة فرياب الشمالية الغربية في افغانستان بعد دخول (طالبان) اليها, فيما هرب 20 الفا آخرون من المحافظة بعد احتلال الحركة لها وقيامها بحملة اعدامات ضد السكان الاوزبك, وهو خبر بالكاد يلمحه قارىء في صحيفة, لان مقتل 600 أو الف في افغانستان لم يعد يثير احدا أو يهم, لان الافغان ارادوا لانفسهم تطبيق المثل: فخار يكسر بعضه, فنسيهم العالم. طبعا لن نشمل في موجة الموت هذه ضحايا حوادث السير, سواء بالسيارات أو القطارات أو الطائرات فهذه في ازدياد أيضا, وبالعشرات والمئات كل اسبوع, فنختم بالفصل المؤلم من موجة الموت, الفصل الجزائري, الذي يمكن ان نقول على طريقة الوكالات انها اسوأ موجة تعرفها البشرية, وتفوق ما يمكن لأي جنون طبيعي من زلزال أو برد أو جفاف أو فيضان أن يصنعه, بدليل ارتفاع ضحايا هذه الموجة على موجة البرد البنغالية والجفاف الاندونيسية معا في اقل من شهر. هذه الموجة من رعبها وهولها لا يعبر عنها سوى الناجين منها, فهم يهنئون القتلى, لانهم ارتاحوا من رؤية العذاب ومشاهد الرعب وتوقع الخوف والذعر في اي لحظة, فنعرف كم ان الانسان اظلم من الطبيعة واسوأ في القتل. بقلم -عبد الحميد أحمد

تعليقات

تعليقات