بقايا رحيل مسلم... في البصرة: بقلم- د. محمد الرميحي - البيان

بقايا رحيل مسلم... في البصرة: بقلم- د. محمد الرميحي

هذه القصة عرفتها بالصدفة وعلى الرغم من أنها قصة خاصة أنسانية ومأساوية في نفس الوقت, فإن بها جانبا عاماً أرى ان يطلع علىه كل من يهتم بالشأن العام . وهي قصة بسيطة قد تحدث في أي يوم ولأي إنسان, ولكن غرابتها أنها حدثت في بلاد لا يعرف حكامها الرحمة وفي وقت لايقام فيه في تلك البلاد للمشاعر الإنسانية الطبيعية أي وزن. ولمن يريد ان يعرف تلك القصة فإنها لرجل من الخليج يقوم دخله ومعاش أسرته المتواضع على النقل البحرى, فهو (نوخذة) , لديه سفينة صغيرة, تعمل في النقل بين موانئ الخليج, مثل عشرات السفن أمثالها التي تراها إما في خور دبي أو على رصيف الميناء البحرى للمنامة أو في رصيف ميناء الشويخ في الكويت. جاء ذات يوم أحدهم فأقنعه بنقل بضاعة الى البصرة فشحن المركب الصغير من يساعده من الملاحين الهنود العاملين على سطح المركب واتجه الى البصرة, وحدث بعد وصوله الى ميناء البصرة, مايمكن أن يحدث لأي انسان في العالم, لقد وافته المنية, وهنا تبدأ مأساة ذلك الرجل الغريبة, أو مأساة أسرته فهي ليست مأساة في حياته, ولكن بعد وفاته ومازالت حتى كتابة هذه السطور لم تنته بعد. فقد انقطعت اخباره إلا من مكالمة تلفونية سريعة لذويه من أحد العاملين معه يخبرهم بالوفاة, ولكن تحت أي ظرف, وما هي الأسباب المباشرة أو غير المباشرة للوفاة لا أحد يعرف. ولأن الكويت قريبة من العراق جغرافيا فقد استنجد أهله بالهلال الأحمر الكويتي ليفعل شيئا, وطلب الأخير مساعدة الصليب الأحمر الدولي الذي اجرى بدوره اتصالات مع السلطات في بغداد, انها حالة إنسانية, وجثة رجل متوف لاتصلح لا للدعاية ولا للمزايدة ولا للعرض امام تلفزيونات العالم, خاصة انه رجل غامر كثيراً لايصال تلك الشحنة والبضائع الى العراق, وجاءت الأسئلة من السلطات العراقية من هو هذا الشخص, كم عمره, هل هو متزوج, كم عدد أبنائه؟ أين يقيم بشكل دائم, لماذا هو في البصرة؟ وعشرات من الأسئلة الأخرى التي اجاب عنها ذووه وهم يغالبون حزنهم المخلوط بغضبهم. ونفاذ صبرهم برجائهم بتسليم الجثة لدفنها في وطنهم, ولما تأخر الأفراج عن الجثة, قامت سفارة دولته في عمان العاصمة الأردنية بالاتصال بأحدى سفارات الخليج في بغداد والتي لاتزال تعمل هناك, وقامت هذه السفارة بالاتصال بالخارجية العراقية والأخيرة بالداخلية العراقية, كل ذلك لتسهيل مهمة الصليب الأحمر في تسليم جثة رجل متوف, رجل بسيط من هذا الخليج الذي اعتقد انه يقوم بالمساعدة في نقل تلك البضاعة. ومضى يومان ثم اسبوع ولايزال البحث جاريا عن جثة المتوفي مع ان كل التفاصيل لدى السلطات العراقية, ثم جاء أخيرا الجواب وفي صيغة سؤال هذه المرة الى الأطراف المختلفة بما فيها الصليب الأحمر الدولي: قولوا لنا: هل كان الشخص المتوفي, قد حصل على سمة دخول الى العراق أم لا؟ وبينما أكتب هذه القصة لايزال البحث للإجابة عن ذلك السؤال, وأهل الفقيد يواصلون دق الأبواب الموصدة أمامهم. فليتصور أحدنا ان رجلاً يسعى من أجل كسب لقمة عيشه غامر بالوصول الى ميناء بحري عراقي لتوصيل شحنة ما, وفاجأته المنية المحتومة, ولا يستطيع أهله حتى الساعة استرداد جثمانة, رغم كل المحاولات والتي تدخلت فيها المؤسسات الدولية الانسانية المتمثلة في هيئة الصليب الأحمر الدولي؟ وكلما أجيب عن مجموعة اسئلة اخترعت السلطات العراقية مجموعة اسئلة اخرى يصعب الإجابة عنها. اسم ذلك الشخص وعائلته موجود لدي, ولدى الهلال الأحمر الكويتي والصليب الأحمر الدولي والقصة بتفاصيلها مبكية محزنة, فما ذنب عائلة ذلك الرجل الخليجي المسكين حتى تتعذب كل هذا العذاب, وربما كان - رحمه الله - مقتنعاً بأن يقوم بفعل خير تجاه شعب العراق عندما وافق على تحمل تلك المغامرة ونقل تلك البضاعة الى ميناء البصرة. من يعرف النظام العراقي, لا يستغرب هذا التصرف, فرغم كل الصخب الإعلامي والحملات السياسية والايديولوجية واتهام الآخرين بالتضييق على (الشعب العراقي) الا ان محنة الشعب العراقي المغلوب على أمره, الغارق في ويلاته, هي في الأساس داخلية وليست خارجية, وأي فعل خارجي لن يزيل هذه الويلات أو يخففها, لأن الوزر الأعظم في هذه الويلات قائم أساسا على الصيغة التي يتبناها النظام العراقي في حكم شعبه. ورغم ان هذا النظام في حقيقة الأمر يقبل بالوصاية الدولية فعلياً على الكثير من تصرفاته, وهي وصاية حقيقية ظاهرة, فإنه يتعمد تعطيل وتأخير مساعدة الشعب العراقي عن طريق مقاومته لاتمام تطبيق قرارات مجلس الأمن, وهي مقاومة شكلية تجلب التهلكة للشعب, العراقي المعزول والمجرد من اي وسائل للمقاومة. عندما وقفت على خبر الرجل الخليجي المتوفي بتفاصيله أكبرت عند المسؤولين في الهلال الأحمر الكويتي هذا الموقف الانساني, كما أكبرت استعدادهم لتسلم الجثة بعد (الأفراج) عنها من الحدود الشمالية للكويت لانه فعل انساني نبيل, تسكن من خلاله آلام أسرة فقدت معيلها وهو يتوجه الى بلاد قال عنها نائب رئيس الوزراء الاردني منذ اسابيع قليلة فقط (الداخل فيها مفقود والخارج منها مولود) . ولكن ذلك الفعل الانساني للهلال الأحمر الكويتي هو اكمال لموقف شعبي وانساني واضح, وقفه الكويتيون في عز محنتهم في أكتوبر 1990 عندما اصدر المؤتمر الشعبي, الكويتي الذي انعقد في مدينة جدة في المملكة العربية السعودية بيانه التاريخي الذي جاء فيه: (ليس بيننا وبين الشعب العراقي خلاف, فهو شعب مغلوب على أمره...) . عذاب تلك الأسرة الخليجية المنكوبة في جوهره هو امتداد لعذاب مئات الأسر الكويتية التي لاتزال ترنو الى عودة أسراها في العراق بالكثير من الحسرة والألم, فهم لايعرفون حتى ان كان هؤلاء الأسرى أحياء أم وأمواتاً. هذه القسوة الفردية على جثة رجل خليجي, والقسوة العامة على أفراد من الشعب الكويتي لاتزال مستمرة, وهي استمرار لتسلط وقمع سياسي واعتداء على حقوق المواطنين في العراق نفسه وضد العراقيين أنفسهم, ولعل الاشارة الى القرار الذي أصدره مجلس قيادة الثورة العراقي منذ سنوات يختصر طريق هذا العنف فقد قرر (اعفاء حزب البعث ووكلاء الأمن من أية مساءلة قانونية بسبب تعقيبهم من يخالف القانون...) إلا ان من (يخالف القانون) تعبير مطاط وبدل اسناد عقاب من يخالف القانون الى المؤسسات القضائية والعقابية كما تفعل كل الشعوب يناط في العراق العقاب بأشخاص عاديين وقعوا فقط استمارات الانضمام لحزب البعث. إنه ترخيص بالقتل للعامة والسواد, وفي بلاد يرضى المسيطرون عليها ان تعود القهقرى الى مستوى العشرينيات من هذا القرن في كل مجال من مجالات الحياة عن سبق إصرار وتعمد حفاظاً على بضعة كراسي للحكم والسلطة لاغير, لا يستغرب أحد عندما تهان جثة الرجل الخليجي في البصرة بتساؤل فج في غير وقته: هل دخلت بتأشيرة دخول؟. وحتى تصل جثة المرحوم الى بلدها آمنة وتستقر في قبرها... لا عزاء للمزايدين. رئيس تحرير مجلة (العربي) الكويتية *

طباعة Email
تعليقات

تعليقات