نفط قزوين والهضبة القوقازية: لعبة البحث عن النفوذ: بقلم- حسن ملحم

(ماكيندر) عندما وضع نظريته باسم (قلب العالم) بشأن جمهوريات آسيا الوسطى الاسلامية وهضبة القوقاز لم يكن يفكر بالنفط ولا ببحر قزوين المغلق الذي لم يعره اية اهمية. نظريته, امريكا هي التي تعيد تقييمها في الوقت الحاضر, فمن يسيطر على قلب العالم يسيطر على العالم حسب ماكيندر. ولأن روسيا لم تمنحها الحق الذي تستحقه فإن محاولاتها في الحفاظ على بقايا نفوذ مندثر قد لا تجدي نفعا مع زحف (الكل) نحو (قلب العالم) . امريكا وروسيا والاتحاد الاوروبي وايران وتركيا ودول اخرى هي في الطريق. انه النفط. ومع ذلك فلا نظن أن امريكا ستستبدل منطقة الخليج بقلب العالم الا اذا قررت فنقلت اسرائيل معها اليها... فإجراء كهذا تريحنا فيه وتريح وتستريح! روسيا وان لم تعترف ان حرب الشيشان قد كانت تفوح منها رائحة البترول الا انها الحقيقة. البترول هو الذي فجر حرب ديسمبر 1994 وهو الذي صنع السلام في اغسطس 1996 انه الانبوب المعطل الذي يجتاز الاراضي الشيشانية رابطا بين سواحل اذربيجان على بحر قزوين والميناء الروسي نوفوروسيسك على البحر الاسود, والذي عاد البترول ليتدفق فيه في شهر اكتوبر 1997 لحساب كارتل بحر قزوين الذي تعود ملكيته في جلّها الى شركات بريطانية وامريكية. يبلغ طول الانبوب 150 كم ولقد تعهد الرئيس الشيشاني بحمايته بعد ان تحصل من موسكو على مايريد بموجب الاتفاق الموقع بين الطرفين 9 سبتمبر 1997 وعقب مفاوضات شاقة استمرت اكثر من شهرين كان بطلها بوريس بريزونفسكي. من البحر الاسود حتى الحدود الصينية هناك بحور من البترول تحمل فوقها جمهوريات القوقاز وآسيا الوسطى الاسلامية التي اصبحت جميعها مرتعا للطموحات والاطماع. رجال اعمال, سياسيون ودبلوماسيون مستشارون واختصاصيون من كل نمط... قد جذبتهم المنطقة بحثا عن الحلم بالامجاد والثروات السريعة. بترول بحر قزوين, الغاز الطبيعي في تركمانستان, القطن في اوزبكستان, الذهب في قيرغزستان... ونظرا لعدم الاحاطة تماما بأحجامها فإن الاسواق تبقى مفتوحة تماما مثل مناطق النفوذ, في الوقت الذي لم تستقر فيه بعد طبيعة التحالفات... انها (اللعبة الكبرى) على الأقل بين المصالح الغربية المتعاظمة والمصالح الروسية التقليدية... والتي تذكرنا بصراع القرن التاسع عشر بين الامبراطورية البريطانية وروسيا القيصرية من اجل السيطرة على آسيا الوسطى. ان لم نشأ التطرق الى المصالح الاقليمية المجاورة. هضبة القوقاز قد كانت منسية ومع ذلك فإن لها أهمية جيوسياسية لا تقدر, فبالنسبة للشركات الغربية تمثل الهضبة جسرا يصل بين بحر قزوين وآسيا الوسطى والبحار المفتوحة, اضافة الى انها تسمح بتسييج كل من ايران وروسيا وبالنسبة لروسيا التي باتت تواجه قضية توسيع منظمة حلف شمال الاطلسي شرقا فإن الهضبة تفتح لها ابواب الشرق الاوسط اولا ويمكن ان توقف زحف النفوذ الغربي... او حتى التركي ثانيا باتجاه حدودها الجنوبية, اما بالنسبة لكل من تركيا وايران فإن الدولتين معا تريدان اغتنام فرصة تاريخية لا تعوض حيث ان الهضبة يمكن ان تسهل لهما مد نفوذ متفتح... قد لا يشبع بسهولة. مبالغ ضخمة قد استثمرت في بترول بحر قزوين الا ان السؤال يستمر مطروحا: هل هذا سيؤدي الى الاستقرار... هل هذا سيساعد على دعم التعاون الاقليمي؟ دول محاصرة طبيعيا تحتاج الى مساعدة جوارها لنقل مواردها الاولية الى السوق العالمية, بيد ان هناك جملة من الاحقاد القديمة والحذر الحاضر واطلال الخراب التي خلفتها الصراعات المحلية تتطلب اموالا طائلة للاصلاح واعادة البناء, في الوقت الذي يساهم فيه العامل الاقتصادي على تدعيم موازين القوى... لصالح مجموعة من الدول على حساب مجموعة اخرى. الشركات البترولية الامريكية قد جذبتها ثروات بحر قزوين قبل ان تقرر وزارة الخارجية البحث عن استراتيجية تناسبها في المنطقة, وهي التي اخطأت خطأ فادحا اذ اعتقدت عقب سقوط الامبراطورية السوفييتية ان (النموذج التركي) هو الافضل من اجل التصدي للنفوذ الايراني. فمن جهة اولى اكدت روسيا بأنها ليست على استعداد للهزيمة, ومن جهة ثانية فإن انقرة قد فشلت في تقديم الحلول لمشاكل الجمهوريات المستقلة حديثا, الى ان قررت الولايات المتحدة ان تفضح حجم مصالحها الحيوية ومدى اصرارها على التواجد في المنطقة من خلال طريقة تفاوضها على العقود البترولية. امريكا قد اكتشفت مصدرا اضافيا للطاقة, ضخما لم تكن تتصوره, يمكن ان يعوض اعتمادها على بترول الخليج فيما لو حدث طارىء مفاجىء. ولانها لا تريد ان تشكل موسكو تحالفا خاضعا لها فإن تمسكها باصطلاح المصالح الحيوية قد يدفعها حتى الى مغامرة عسكرية ان لم تنجح بواسطة ممارسة الضغوط. وزير الدفاع الامريكي السابق جسبار واينبرجر كتب في احدى مقالاته يقول: اذا ما نجحت موسكو في الهيمنة على بحر قزوين فإن انتصارها لابد وان يتجاوز بأهميته الاستراتيجية انتصار امريكا في توسيعها لحلف شمال الاطلسي نحو الشرق. علما ان امريكا ان فكرت بروسيا في الشمال فإنها تفكر بايران في الجنوب. في واشنطن, هناك مجموعة ضغط ارمنية قد اصبحت لها مكانتها على مستوى الادارة الامريكية, ولهذا السبب فقد تشكلت مجموعة ضغط (موازية) اذربيجانية تضم على الاخص عدة مسؤولين سابقين يعملون حاليا كمستشارين لدى الشركات البترولية الامريكية النشطة في اذربيجان من امثال زبينيو بريزنسكي وجيمس بيكر وريتشارد تشيني وبرنتن سكوكروفت, الا انها لم تتمكن بعد من الغاء النص الذي يمنع اية مساعدة رسمية لحكومة اذربيجان بسبب حصارها المضروب على ارمينيا. الامر الذي يعني أن السياسة الخارجية الامريكية تظل رهينة استحقاقات الداخل خاصة وان عددا من اعضاء الكونجرس يعتمدون على اصوات الارمن الامريكيين اضافة الى ان ارمينيا تستلم اضخم مساعدة امريكية... بعد اسرائيل, فكيف ستتمكن واشنطن من ضبط سياسة متوازنة بين كل من ارمينيا... والبترول الاذربيجاني؟ الاتحاد الاوروبي من جهته لم يبق في اخر الصف, فما بين 1993 ــ 1995 قدم ثلث مساعداته الخارجية لجمهوريات القوقاز وينشط على الاخص من خلال مشروع تراسيكا الذي يعمل على الربط بحريا وبواسطة الخطوط الحديدية بين سواحل جورجيا على البحر الاسود وجمهوريات اسيا الوسطى وفي كل الاحوال فإن سلبيات الاتحاد الاوروبي يتسبب بها على الاخص عدم وجود (سياسة مشتركة) فألمانيا تهتم بجورجيا على امل ان ترد الجميل لرئيسها ادوارد شيفارندزه الذي كان قد لعب دورا حاسما في توحيد الالمانيتين بصفته وزيرا لخارجية الاتحاد السوفييتي, عكس فرنسا التي تبدو اقرب لارمينيا نظرا لوجود جالية ارمنية كبيرة فوق اراضيها, اما بريطانيا فتتجه نحو اذربيجان حفاظا على مصالح شركة البترول البريطانية فيها. وكأن التاريخ يعيد نفسه 1918 ــ 1920 حيث كانت الجمهوريات المذكورة استقلالا صعبا. ان حضور البلدان الاوروبية اقتصاديا لا يستهان به الا انها مع ذلك لا تلعب اي دور حاسم في قضايا الطاقة, وامريكا هي التي كانت قد قررت ولوحدها عدم مد انابيب تقل النفط عبر الاراضي الايرانية... رغم انه الطريق الاقصر والاوفر والاكثر امنا واستقرارا. امريكا هي التي اختارت نقل النفط الاذربيجاني بواسطة الانبوب الممتد بين باكو والميناء الروسي نوفوروسيسك على البحر الاسود عبر الاراضي الشيشانية, وامريكا هي التي تحرص على الانتهاء من مد انبوب بديل يصل حتى الميناء الاذربيجاني سوبسا على البحر الاسود دائما حيث من المقرر بدء الضخ فيه مع نهاية عام 1998 وامريكا هي التي تصر ايضا على مد انبوب اخر مستقبلا يصل بين بحر قزوين والميناء التركي سيهان على البحر المتوسط استنادا منها الى اسباب بيئوية واستراتيجية معا. موسكو عندما قررت احتلال جروزني عاصمة جمهورية الشيشان قد ارادت من خلاله ان تبسط رقابتها على الانبوب الوحيد الذي هو قيد العمل حاليا, اضافة الى انها قد كانت تأمل بتدعيم موقفها في مفاوضات العقود البترولية, وحيث انها قد خضعت لضغط المصلحة فوضعت حدا للحرب في اغسطس 1996 فإن هدفها المباشر قد تمثل بضرورة ادخال هذا الانبوب في قائمة الحسابات اذ لو بقي موضعا للصراع فلن تكون له اية اهمية في المفاوضات. مع ذلك فان الهزيمة التي تحملتها في الشيشان وغياب سلطتها في داغستان.... اضافة الى تفاقم الوجود الغربي في اذربيجان كلها اشياء قد تمكنت من (تحديد) النفوذ الروسي في هضبة القوقاز. في كل الاحوال فإن الطاقة هي التي يمكن ان ترسم طبيعة تحالفات المستقبل وروسيا مازالت تحلم بأمبراطورية تعيد لها امجاد الماضي وتمكنها من (وضع اليد) على الارث المنهار. روسيا تبقى الدولة الرئيسية المنتجة للبترول والغاز الطبيعي, وصادرات كازاخستان وتركمنستان نحو اوكرانيا وجورجيا تمر عبر اراضيها. واذا ما كانت اوكرانيا تستورد 90% من حاجاتها البترولية و80% من حاجاتها من الغاز فإن اعتماداتها في هذين المجالين يبقى على روسيا بالدرجة الاولى.

تعليقات

تعليقات