المسلمون في أعياد رأس السنة الميلادية : تهنئة خاصة:بقلم: أ. د. يحيى هاشم حسن فرغل

يهرول المسلمون في أعياد رأس السنة الميلادية نحو اقتفاء أثر المسيحيين في الاحتفال بهذه الأعياد, دون ان توجه لهم الدعوة لاستضافتهم من أصحاب الشأن , الذين ربما يكونون أكثر حرصاً على الاستقلال بخصوصياتهم في هذه الاحتفالات, ويغارون عليها من أمثالنا كما يغار العاشق. والعجب ان البعض يكون في هذه المناسبة أكثر اندفاعا الى تلك الاحتفالات من مجتمعات أخرى غير إسلامية. فمنذ عدد قليل من السنين قررت الحكومة الصينية فرض غرامة على أية هيئة, أو شركة تقيم احتفالا كبيراً بمناسبة رأس السنة الميلادية. وأصدر مجلس الوزراء الصيني قراراً يحذر المكاتب الحكومية من انفاق مبالغ كبيرة على الهدايا والمآدب في احتفالات رأس السنة, وقررت أنه إذا لم يكن هناك مناص من إقامة احتفال فليكن فنجان شاي لاغير. وفي لندن منذ عدد قليل من الأعوام, أيضا توقفت معظم الشركات البريطانية عن إقامة حفلات رأس السنة بسبب الركود الاقتصادي, وأعلنت ربع شركات لندن إلغاء الاحتفال توفيراً للنفقات, وحتى رسائل الأطفال الى قرية بابا نويل في انجلترا انخفضت الى النصف بسبب سوء الأحوال المالية. أما في بعض البلاد الاسلامية - مهما يكن فقيراً غارقا في عشرات المليارات من الديون الخارجية - فإن الاحتفال يأتي عادة وقد تطور الى أرقام قياسية في الاستعدادات والانفاق والى مئات الملايين من الدولارات. هكذا نتابع نحن المسلمين الاحتفال بأعياد المسيح ويا للعجب. ومصدر العجب أننا إذ نقتفي آثارهم ونزعم المجاملة لهم فإن المسيح الذي يؤمنون به لانعرفه - لأنه حسب عقيدتهم إله -, والمسيح الذي نؤمن به لا يعرفونه - فهو حسب عقيدتنا بشر نبي - والمسيح عليه الصلاة والسلام في الحالتين يبرأ من كل ما يرتكب بأسمه إذ الجميع يحتفلون به بالغناء والرقص والسهر والفجور وشرب الخمور. والقضية فيما نود ان نطرحه هنا أكبر من قضية الاحتفال في حد ذاته, وإنما هي تنفتح لقضية أعم, هي قضية الاحتفاظ بالهوية الاسلامية للشعب المسلم, ونحن أكثر ما نكون غفلة عن هذه القضية, حتى صرنا أمام مأساة (ان لا نكون) بدون ذلك الخيار الشهير المنسوب الى أديب انجلترا وشاعرها الأكبر. هذا بينما يوجد بيننا هدي الرسول محمد صلى الله عليه وسلم يحذرنا بأخطر لهجة وأشد أسلوب من فقدان الشخصية. فها هو صلى الله عليه وسلم - في حس حضاري رفيع - يأمرنا بقوله - فيما روي عن ابن عمر مرفوعاً - (خالفوا المشركين, وفروا اللحى, واحفوا الشوارب) رواه الستة, ويقول فيما وراه الستة أيضا: (ان اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم), ويقول فيما رواه الترمذي وأبو داود (فرق ما بيننا وبين المشركين العمائم على القلانس) ويقول فيما رواه أبو داود وصححه ابن حبان: (من تشبه بقوة فهو منهم) وفيما أخرجه أبو يعلى مرفوعاً من حديث ابن مسعود (من رضي عمل قوم كان منهم). يقول العلماء: إذا تشبه بالكافر واعتقد أنه بذلك يكون مثله فقد كفر, أما إذا لم يعتقد ذلك فالصحيح أنه لا يكفر, ولكن يؤدب. والخطر الذي يهدد الشخصية الاسلامية ليس في كل مسألة من مسائل هذا الانمياع في الشخصية الغربية أو المسيحية على حدة, انه ليس في مسألة الملبس أو اللحية أو الأعياد, كل منها على حدة, كما يحلو للمدافعين عن مثل هذا السلوك ان يناقشوا الموضوع ليجوز لهم بعد ذلك ان يبرروا أو يهونوا من الأمر... ولكن الخطر هو ان مثل هذا الاحتفال يأتي ضمن عملية شاملة تجري على قدم وساق, بأساليب الغزو الثقافي, منذ وقت طويل, وحذرنا منها الرسول صلى الله عليه وسلم منذ وقت طويل أيضا. ان هذا الغزو يعمل على نطاق واسع منذ بداية عصر الاستعمار مروراً الى عصر العولمة المجيد. يأتي في الفلسفات الحديثة والمعاصرة عندما يروج لها على المستويات المختلفة بغير بيان خطرها على الإسلام. وىأتي في التنظيم الاجتماعى حيث تنتشر الدعوات الى إنكار دور الدين في الحياة العامة, وتقليص دوره في التعليم, وخنق وجوده الصحيح بين الرأي العام, واستبعاد الجهاد من ميدان التعامل مع أعداء المسلمين. وفي قضايا التشريع حيث يستحف بنظرة الدين الى الربا, وبنظرته الى تعدد الزوجات, والنسل, والقوامة, والعقوبات, وحيث تتوجه السهام الى أشكال العبادة لتهون من شأنها أو تسخفها, أو تقلل من تأثيرها, أو تضيف اليها, أو تساوي بينها وبين شعائر مبتدعة أو فولكلورية. وفي تدوين التاريخ حيث يقدم الدين على انه ظاهرة من ظواهر الصراع الطبقي أو القومي, أو البيئي, وبؤرة من بؤر الحروب وإراقة الدماء. وفي أساليب التربية حيث تنحصر الاتجاهات التربوية في نظريات ديوي, وفرويد, وأدلر بما لكل منهم من مرجعيات خاصة. وفي فنون الأدب: حيث توجه الاحتجاجات الصارخة ضد قدر (أحمق الخطى), وتصور الشخصيات الروائية وهي تبحث عن الله بحثا محكوما عليه بالفشل, وحيث تقدم شخصيات التاريخ الاسلامي, بصورة شائهة, غارقة في حنايا الحانات, أو تائهة في أسواق الجواري, وحيث تقدم الشخصية المتدينة العادية في صورة كريهة تثير التهكم والسخرية والاتهام بالتخلف. وفي بعض البحوث الاسلامية نفسها: عندما يستبعد بعضهم السنة من التشريع بدعوى التطور والنسبية التاريخية, ويقدم بعضهم القصص القرآني على أنه نوع من الفن الروائي أو الاقتباس الأسطورى, وحيث تقوم الدعوة الى اغفال النصوص المتعلقة بالجزئيات والاكتفاء بالمبادئ العامة التي يرضى عنها العقل ولاتختص بدين من الأديان. وحيث يجري تكييف العلاقة بين الإسلام وبين الأديان الكتابية - في زحمة الكلام عن التعددية - على أساس التسوية بينها وبين الإسلام في النجاة يوم القيامة, ويسوي بين الولى هنا والقديس هناك, بدعوى السلام, والسلام لم يكن يوماً في حاجة لهذا التزييف, وحيث تتوجه السهام الى العقيدة لتزيفها أ أو تنقص منها أو تزيد عليها, أو تبدلها, أو تعيد تركيبها. وفي ميدان العادات والأخلاق: حيث يحاول البعض في وسائل الاتصال تصوير ما عليه الغرب من انحرافات أخلاقية باعتباره أمراً عاديا, أو حرية شخصية, تتكفل وسائل الأعلام بتمريره بأسلوب علمى قدير. وحيث يتحول تيار التعرية والتحات الى مواقع العادات والتقاليد ليجري فيها استيراد البديل: في أسلوب الفرح والحزن, والرضا والغضب, وفي طريقة الحديث, والنطق, واللغة, وفي عادات الأكل, والنوم, والسهر, والتزاور, والاختلاط, والاحتفال بالأعياد. ويجري ذلك كله بدون حاجة للتفسير بواسطة نظرية المؤامرة, وإنما نحن أصحاب المبادرة, وبين يدينا فرمان ثقافي صادر من كبرى القلاع الثقافية في القرن العشرين, روجت له جوقة قديرة صاحبته واحتلت منابر الدعوة اليه, لكي نمحو من قلوبنا ذلك (الوهم الشنيع) الذي يصور لنا أننا خلقنا من طينة غير طينة الأوروبي! أو فطرنا على أمزجة غير الأمزجة الأوروبية! وان علينا ان نسير سيرتهم, ونسلك سلوكهم, لنكون لهم انداداً, ولنكون لهم شركاء في الحضارة, خيرها وشرها, وحلوها ومرها, وما يحب منها وما يكره, وما يحمد منها, وما يعاب, كما هو نص الفرمان الشهير, والذي كان لنا نحن ضحاياه فضل تلقفه وتقديسه, ونفخ الروح فيه, وجعله منهاج حياة. فأين من ذلك وهم المؤامرة, والذين يدفعوننا الى الهاوية هم منا؟! أو أين من ذلك وهم المؤامرة, والذي حذرنا من هذه العاقبة هو الرسول الكريم في صيغة تنسب الخطيئة إلينا في قوله صلى الله عليه وسلم (لتتبعن سنة من كان قبلكم باعا بباع, وذراعا بذراع, وشبرا بشبر, حتى لو دخلوا جحر ضب خرب لدخلتم فيه) قالوا: (يا رسول الله: اليهود والنصاري؟ قال: فمن إذن؟!). أو أين من ذلك وهم المؤامرة السرية: وجان بول سارتر منذ سنين طويلة كشف لنا - في مقدمة كتاب المنبوذون في الأرض - كيف يعد المثقف منا في مطابخهم (يرتدون السترات والسراويل مثلنا, ويتعلمون لغتنا وأساليب رقصنا, وركوب عرباتنا,... ثم نرسلهم الى بلادهم, حيث يرددون ما نقوله بالحرف تماماً, مثل الثقب الذي يتدفق منه الماء في الحوض). واين من ذلك وهم المؤامرة, ونحن نقرأ - بغير وعي - ما يصدر منهم في شأن المحافظة على شخصيتهم الثقافية, سواء ما يقوله ت. س. اليوت في كتابه (ملاحظات في الثقافة) حيث يقول عن الثقافة الأوروبية (إذ ذهبت المسيحية فستذهب كل ثقافتنا) أو ما يقوله أحد المعلقين الفرنسيين عن غزو أمريكا لفرنسا غزوا ثقافيا: (أمريكا تسرق حاليا المسرح الثقافي في باريس), أو ما يقوله رئيس القناة الثالثة في التليفزيون الفرنسي منذ أعوام قليلة أيضا انه (لن يسمح للزبالة المرئية المسمومة التي تأتي من أمريكا ان تصب في التليفزيون الفرنسي!!). ربما يتبنى أحد القراء الأعزاء وجهة نظر تذهب الى ان ما ذكرناه أخيراً لايتعارض مع الأخذ بنظرية المؤامرة, ولكن لأنها أصبحت نظرية مشبوهة في الوقت الحاضر, وكل تفكير من خلالها تمت مصادرته مقدما, فإننا لن نتبرع بالدفاع عنها في هذا المقام, وبخاصة أننا نكاد نسمع من يعلن أننا ما نزال نتمسك بالخصوصية في أخذنا بشطر (لا نكون) من مأثورة شكسبير طيب الذكر, وحيث ان الغرب لا يتنافس معنا فيها, باختياره المشكور لشطر (يكون), ومعذرة الى رسول الله عليه الصلاة والسلام.

تعليقات

تعليقات