قد ينمو اقتصاد دولة بمعدلات مرتفعة، وتتضاعف استثماراتها، وتتوسع أسواقها، دون أن تنعكس تلك المكاسب بالضرورة على جودة حياة أفرادها بالقدر نفسه. وفي المقابل، قد يحقق اقتصاد آخر نمواً أكثر اعتدالاً، لكنه يخلق فرصاً إنتاجية أفضل، ويرفع القوة الشرائية، ويعزز الاستقرار الاقتصادي. فأي الاقتصادين أكثر نجاحاً؟ هنا تبدأ قضية تتجاوز لغة الأرقام، وتعيد طرح سؤال جوهري: هل المهم أن ينمو الاقتصاد، أم أن تتحسن نوعية النمو الذي يحققه؟
لطالما شكل الناتج المحلي الإجمالي مقياساً رئيسياً للأداء الاقتصادي، لكنه لا يكشف بمفرده طبيعة الفرص التي يولدها النمو، أو مدى استفادة المجتمع منها. فقد يرتفع الإنتاج دون تحسن مماثل في الإنتاجية الفردية، وقد تتوسع الاستثمارات دون أن تخلق قيمة مضافة كافية داخل الاقتصاد الوطني.
وتقدم دولة الإمارات تجربة مهمة في تنويع محركات النمو وتعزيز مرونة الاقتصاد. ووفقاً للمركز الاتحادي للتنافسية والإحصاء، بلغ الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 961.9 مليار درهم خلال النصف الأول من عام 2026، بنمو نسبته 0.4 %، فيما نمت الأنشطة غير النفطية بنسبة 1.8 %، لترتفع مساهمتها إلى 79.2 % من الاقتصاد الوطني. وتعكس هذه المؤشرات استمرار التنويع الاقتصادي رغم التحديات الإقليمية، لكنها تفتح أيضاً مجالاً أوسع للنظر في نوعية النمو ومصادر قوته المستقبلية.
فالتحدي الاقتصادي المقبل لا يتمثل في زيادة حجم النشاط الاقتصادي وحده، بل في تعظيم القيمة التي ينتجها كل درهم مستثمر، وكل ساعة عمل، وكل فرصة اقتصادية جديدة. وهنا يظهر الفرق بين اقتصاد يتوسع في حجمه، واقتصاد يرتقي في كفاءته وقدرته على توليد الرفاه.
ومن هذا المنطلق، من المهم تبني مفهوم ميزان جودة النمو، بوصفه إطاراً تحليلياً يكمل المؤشرات الاقتصادية التقليدية، ويقيس ثلاثة أبعاد مترابطة: مقدار الزيادة في الإنتاجية الحقيقية، ونوعية الفرص الاقتصادية التي يخلقها النمو، ومدى انعكاس مكاسبه على القوة الشرائية وجودة الحياة.
ولا تكمن أهمية هذا الميزان في إضافة تصنيف جديد، بل في تغيير السؤال الذي نطرحه عند تقييم السياسات والاستثمارات: ليس فقط كم أضاف المشروع إلى الناتج المحلي، بل كم أضاف إلى إنتاجية الاقتصاد، وما الفرص المستدامة التي ولّدها، وما القيمة التي وصلت إلى المجتمع؟
كما أن جودة النمو تستدعي التمييز بين الأنشطة التي تحقق توسعاً سريعاً وتلك التي تبني قدرات اقتصادية طويلة الأمد. فليست جميع الزيادات في الناتج متساوية في أثرها المستقبلي، ولا ينبغي أن يكون حجم الاستثمار وحده معيار نجاحه.
إن الانتقال من قياس حجم النمو إلى تقييم جودته يمثل تطوراً في التفكير الاقتصادي، لا تراجعاً عن أهمية النمو ذاته. فالاقتصادات الناجحة لا تكتفي بإنتاج ثروة أكبر، بل تسعى إلى جعل كل وحدة من تلك الثروة أكثر قدرة على صناعة الفرص وتحسين الحياة.
فالنمو يصنع الأرقام، أما جودة النمو فتصنع الفرق في حياة الناس.
جابر محمد الشعيبي
كاتب وباحث إماراتي
jalshuaibi@hotmail.com
