تؤكد الهجمات المأساوية في بروكسل والوصول المتواصل لألوف المهاجرين إلى أوروبا الحاجة إلى تطوير الاستراتيجية الخاصة بسوريا، فإلحاق الهزيمة بتنظيم «داعش» يعتبر أمراً حاسماً في الكفاح الأوسع نطاقاً ضد هذه الجماعة البربرية. لكن الاعتماد على الأسد وبوتين لن يجدي نفعاً، والنجاح الأخير للجيش السوري في تدمر، رغم أنه مرحب به جوهرياً، يمكن أن يزيد من تأجيج مشاعر السنة ضد النظام.
ومفتاح أي استراتيجية جدية لسوريا يكمن في الاعتراف بأنه ستكون هناك بالتأكيد حاجة إلى قوة حفظ سلام دولية يوماً ما، من أجل دعم أي اتفاق سلام يجري التوصل إليه في نهاية المطاف. وإظهار استعداد لنشر مثل تلك القوة قد يحسن من فرص السلام، وفي الوقت نفسه يجعل المجتمع الدولي وأطراف الصراع أكثر واقعية في توقعاتهم إزاء أي نوع من السلام يعد ممكناً، وما هي أنواع الخطوات الأخرى، عدا عن المزيد من المساعدات العسكرية الغربية للمعارضة المعتدلة، التي ستكون هناك حاجة إليها لإحلال السلام.
أفكار رئيسية
ومن النقاط المضيئة في دراسة العلوم السياسية فهم كيفية إنهاء الحروب الأهلية والعوامل التي تشعل شرارتها، ومن بين الأفكار الرئيسية هناك النقاط التالية:
- هناك صعوبة في وقف الحروب التي تتسبب بخسائر بشرية كبيرة، وتتصف بمكونات عرقية وطائفية وبتعدد الجهات الفاعلة. وسوريا تعاني بالتأكيد من هذه المصائب الثلاث.
- يمكن أن تساهم التحالفات بين الفصائل المتحاربة المتنافسة، التكتيكية وقصيرة الأجل في كثير من الأحيان، في إفشال جهود السلام وفي انتكاسات وعودة إلى الحروب أحياناً: وفي سوريا يوجد مثل هذه التحالفات المتحولة.
- تميل عمليات حفظ السلام، أو فرض السلام، إلى تحسين احتمالات دوام أي اتفاق لإنهاء الحرب.
- تحقق اتفاقات السلام التفصيلية المكونة من شروط كثيرة تسمح ببناء الثقة بشكل تدريجي بين الأطراف المختلفة وبأسلوب الخطوة خطوة، نتائج أفضل من الاتفاقات الأقل تعقيداً. وتحتاج عمليات الأمم المتحدة أو عمليات السلام التي يجري نشرها في المناطق حيث هناك صراع معقد لدعم اتفاق السلام، إلى أدوات متعددة تحت تصرفها: موارد اقتصادية، قيادة سياسية قوية، وقدرة على الضغط على الأطراف الممتنعة لدفعها إلى الالتزام بالاتفاقات السابقة، وما يكفي من القوة العسكرية لحماية نفسها، وتوفير وجود ذي مصداقية لمراقبة وقف إطلاق النار وغيرها من البنود في أي اتفاق.
- فيما يتعلق بحجم القوات، تشير الأدلة إلى أنه من الأفضل أن يكون هناك عدد أكبر من الجنود. لكن الكتابات عن الموضوع تشير أيضاً إلى عدم الحاجة إلى قوة ضخمة في كل عملية سلام ناجحة. ويفضل الجيش الأميركي المهام التي تتضمن قوة كبيرة كمبدأ.
وهناك بالتأكيد حجج مقنعة لصالح القوة الصرفة.
لكن الأسلوب المفضل للولايات المتحدة يتمثل في نشر عنصر حفظ سلام واحد على الأقل لكل 50 مواطناً في البلاد التي يجري فرض الاستقرار فيها، مما يعني نشر قوة مكونه من 400 ألف عنصر على الأقل في سوريا، وهذا ليس ضروريا في كل الحالات وقد لا يكون عملياً من الناحية السياسية بالنسبة لسوريا. فقوة تتراوح ما بين 30 إلى 60 ألف عنصر لحفظ سلام، معززة بقواعد صارمة للاشتباك، ومدعومة بالنوع المناسب من القوة الضاربة للتعامل مع المعطلين المتطرفين، ومعززة بنظام حديث للقيادة والسيطرة والخدمات اللوجستية، قد يكون لديها فرص جيدة للنجاح، خصوصاً إذا كانت قادرة على تركيز جهودها الرئيسية على تلك الأجزاء من البلاد حيث الأوضاع أكثر توتراً.
مسار جزئي
وتشير هذه المبادئ الأساسية على الأقل إلى مسار جزئي نحو الأمام بالنسبة لسوريا. وسنحتاج بالتأكيد إلى عملية سلام تحت إشراف الأمم المتحدة أو حلف شمالي الأطلسي «ناتو» أو الجامعة العربية، إذا كان لأي اتفاق أن ينجح في نهاية المطاف.
وبما أنه من المرجـــح أن يبقى «داعش» يشكل تهديداً حتى بعد التوصل إلى أي اتفاق، وبما أن المفسدين قد يحاولون تعطيل أي اتفاق، سوف تكون هناك حاجة إلى قدرات لمكافحة الإرهاب من عدة ألوف من الجنود على الأقل في المنطقة على المدى الطويل، وهذه القوة بالتأكيد ستستلزم دعماً ومشاركة أميركية.
لا تحتاج سوريا أن تكون الحرب الكبرى الثالثة لأميركا في الشرق الأوسط، لكن كي يكون هناك فرصة لها لإنهاء هذا التهديد الحاد للأمن الإقليمي، ولحرمان «داعش» من أهم ملجأ له، فإنها تحتاج إلى استراتيجية جديدة تتضمن الاستعداد للمساهمة (على الأقل في بعض القدرات) في عملية عسكرية كبيرة في المرحلة التي تلي الحرب لتحقيق الاستقرار في البلاد.
حجم القوة
جميع المتغيرات الحالية في تشابك الصراع السوري تشير إلى أنه، بمعزل عن كيفية انتهاء الحرب، فإنها ستشتعل مجدداً من دون كيان خارجي قابل للحياة. وفيما قوة بعدد كبير من الجنود يعد مثالياً، تبقى هناك احتمالات كبيرة للنجاح لقوة أكثر تواضعاً، على الرغم من أنها ستكون بحاجة إلى حماية وموارد، وقادرة على تركيز جهودها في أجزاء معينة من البلاد.
ويعتمد حجم القوة بوضوح على طبيعة أي تسوية محتملة. وربما تميل هذه الحجج لصالح نموذج كونفدرالي بسوريا.
