كانت التغطية الإعلامية لهجمات بروكسل الإرهابية مكثفة. فعلى شاشات التلفزة، كانت هناك الصور التي باتت مألوفة للحشود المجتمعة والشموع المضيئة، إضافة إلى المقابلات مع الشهود، أو مع أولئك الذين كادوا أن يلقوا حتفهم، كما النقاشات المتعلقة بالدروس المستفادة.

وكانت التغطية في معظمها متماسكة ورصينة، وبعضها مؤثر للغاية، لكن شيئاً ما كان ناقصاً.

بالنسبة لأولئك الذين يقفون على مسافة من الحدث، وليسوا معنيين مباشرة به، أو فقدوا أحد أقربائهم، فإن الأحداث الأخيرة كان ينقصها الشعور باللوعة الذي رافق الهجومين على باريس في أواخر عام 2015، حينها صاح العالم «أنا تشارلي». أما المجزرة في مطار ومترو بروكسل، فقد وصفت بمصطلحات وظيفية، «هجمات بروكسل»، وليس بمصطلحات شاعرية. كانت ردود الأفعال حزينة، بالتأكيد، لكنها من باب واجب الرثاء أكثر منها من باب الحماس، وهذا في جانب منه قد يكون طبيعياً.

فعدد أقل من الناس قتلوا في بروكسل مقارنة بما حدث في باريس في نوفمبر الماضي، وربما اختيار الهدف استدر عاطفة بدرجة أقل. فمقتل كتّاب الهجاء في «تشارلي إيبدو» طرح أسئلة بشأن حرية التعبير، ومجزرة نهار الجمعة في الحفل الموسيقي ومحاولة ذبح الناس في ملعب كرة قدم، بدت كأنها هجوم على الفرح بحد ذاته، وحرب ضد الشباب والضحك والمسرات الإنسانية.

غاية منفعية

وفي المقابل، كان استهداف البنية التحتية للنقل العام، يقصد تحقيق غاية منفعية بمصطلحات الإرهابيين: طريقة لتسبيب أكبر قدر من المعاناة لأكبر عدد من الناس. كان هجوماً على أشخاص منشغلين في أعمال عادية غير رومانسية كالوصول إلى عملهم، كانت محاولة لجعل مدينة حديثة غير قادرة على القيام بوظائفها الأساسية.

ويقع كثير من الخزي على من تدافع للتصريح، قبل أن تدفن الجثث، كيف أثبتت عمليات القتل في العاصمة البلجيكية لماذا كانوا على حق على الدوام. فجدد المرشح الجمهوري للانتخابات الرئاسية الأميركية دونالد ترامب دعوته لحظر دخول المسلمين إلى الولايات المتحدة، ليزايد عليه منافسه تيد كروز الذي دعا إلى «قيام رجال الأمن بدوريات وتأمين سلامة الأحياء حيث يعيش المسلمون». وفي بريطانيا، كان عناصر حملة مغادرة الاتحاد الأوروبي يصرخون بأن بروكسل برهنت على أن أوروبا تعج بالإرهابيين الذين لا خيار أمام بريطانيا سوى إقفال الباب وإغلاقه تماماً في وجههم في 23 يونيو.

وينبغي محاربة هذا النوع من الحجج بالتأكيد، فخطة كروز ليست فقط عنصرية وشريرة، بل انهزامية على نحو مثير للضحك. يقول إن الدوريات المناهضة للمسلمين سوف تلفظ التطرف والتجذر، عندما يكون من الواضح بشكل صارخ أنها تؤدي إلى هذا التجذر.

ويتعين علينا الإشارة إلى أن إلغاء حرية التنقل داخل الاتحاد الأوروبي لن يمنع الرعب الذي شهدته بروكسل، أو هجمات 7 مايو في لندن. فهجوم بروكسل قام به مواطنون بلجيكيون، كما أن هجوم لندن نفذ من قبل رجال ولدوا وترعرعوا في بريطانيا.

لكنني أتفهم لماذا تجد مثل هذه الحجج جمهوراً على استعداد لتقبلها، ذلك أنها تعد بحل فوري وسهل لمشكلة يشعر الناس بأشد الحاجة للاعتقاد بأنه يمكن حلها. وعندما يقول ترامب عن تنظيم داعش: «أنا وحدي يمكنني أن أصلح هذه المشكلة»، فإنه يعد الناس بأن هذه المشكلة يمكن إصلاحها. والناس بشكل مفهوم في حاجة ماسة للاعتقاد بأنه يوجد شيء يمكن القيام به. ويميلون إلى التمسك بأي شيء يعدهم بأنه سيضع التحكم والسيطرة على الوضع بين أيديهم، سواء أكان ذلك من خلال الخروج من الاتحاد الأوروبي، أو التضحية بحقوقهم المدنية، أو حتى انتقاد أقلية دينية واحدة.

وعود وهمية

ونعرف، في الوقت نفسه، أن هذه الوعود وهمية، لكن لا ندري إلى أي درجة. وعلى مضض، نشعر بأنه لا يوجد زر سحري يوقف هذا الرعب. وواقع أن هجمات بروكسل جاءت بعد وقت قصير بعد جرائم باريس يضيف إلى الشعور الكئيب، هذا الشعور الذي يلتقطه هذا السطر من مجلة «إيكونوميست»: «الوضع الطبيعي الجديد لأوروبا».

ويمكن اعتبار ما جرى أيضاً استراتيجية للتعامل مع الحدث، طريقة للمضي عبر ما يمكن أن تكون سنوات قليلة حزينة أو عقوداً مقبلة، لكنها قد تكون ضرورية. هذا ربما ما لمحناه في رد الفعل الأكثر خفوتاً في استقبال الألم المبرح في بروكسل. ربما نبدأ في الاعتياد على الأمر، وقد غلظت جلودنا وتحجرت قلوبنا، من أجل تحصين أنفسنا ضد الألم المقبل.

رمز المدينة

لعبت طبيعة مدينة بروكسل دوراً في رد الفعل الأكثر خفوتاً على هجمات بروكسل، بالمقارنة مع هجمات باريس، ومن الغريب أن ينتقي المرشح الجمهوري دونالد ترامب هذا السطر الوحيد في تغريدته: «هل تتذكرون جميعاً كم كانت بروكسل مكاناً جميلاً وآمناً».

لكن الاحتمال ألا يتذكر عدد كبير من أتباعه أن بروكسل لا تحتفظ بهذه المكانة في المخيلة العالمية. الأوجاع الحالية للمدينة شديدة ، ومن المؤكد أن ما يرتبط من معان ببروكسل داخل أوروبا نادراً ما يكون إيجابياً.