في غضون ستة أشهر، أدى التدخل العسكري الروسي في سوريا إلى تحويل مسار الحرب الأهلية في البلاد، لكن حسبما يبدو من الأهداف الخاصة بالتدخل، فإن حملة الكرملين قصرت عن تحقيقها.
ووفقاً لمحللين عسكريين ودبلوماسيين غربيين، يظهر عند التدقيق في الأهداف العسكرية والسياسية الروسية في سوريا، وعند استذكار التكتيكات الدبلوماسية الروسية في أوكرانيا، أن هناك الكثير على لائحة الكرملين يفترض القيام به. ونتيجة لذلك، فإن الغرب يتعامل بحذر مع الإعلان المفاجئ للرئيس الروسي فلاديمير بوتين سحب القوات الروسية.
وقد قال وزير الخارجية البريطاني فيليب هاموند، أخيراً، لزملاء له في مجلس العموم البريطاني، وهو من أكثر المتشددين بين السياسيين في حلف شمالي الأطلسي «ناتو» تجاه روسيا، إن الانسحاب في النهاية يمكن أن لا يكون أكثر من خدعة تكتيكية، مضيفاً إنه: «في التعامل مع روسيا، فإن الحذر أولاً هو الأمر الأكثر تعقلاً».
وبدلاً من أي استراتيجية طويلة الأمد، كانت التكتيكات تقود التدخل العسكري الروسي العسكري في سوريا، والاستعراضي أحياناً، إلى حد ما، لكن بعضاً من تلك التحركات التكتيكية برهن عن براعة استراتيجية.
في أكتوبر من العام الماضي، كان يعتقد أن أشهراً تفصل نظام الأسد عن الانهيار، فنجح التدخل الروسي في ضمان بقائه، وبتعزيز سيطرته في معاقل النظام في اللاذقية، اقتطع دويلة يمكن الدفاع عنها، في حال لم يكن ممكناً تحقيق سلام دائم.
أمور كثيرة
لكن المراقبين المحليين والمسؤولين الغربيين، مع ذلك، يجدون أن هذا الأمر أقل ما ترغب به روسيا من عملية نشر قواتها. أخيراً، قال مسؤول استخباراتي أوروبي كبير لصحيفة «فايننشال تايمز»، إن خطوة روسيا الأصلية كانت قيادة حملة عسكرية سريعة تأخذ قوات الأسد إلى الحدود التركية في غضون أشهر، وتضع حلب بحزم تحت سيطرة النظام.
وتشل المعارضة المعتدلة إلى درجة تدفع بواشنطن للإحجام عنها عملياً والانضمام إلى روسيا وشركائها في المعركة ضد تنظيم «داعش»، لكن وجود مقاتلين من المعارضة أكثر شراسة من المتوقع، ومواجهة محتدمة مع تركيا، وانهاك عسكري إيراني، واحتمال بقاء أسعار النفط الدولية ما دون 40 دولاراً للبرميل، كلها أمور حدت بشكل حاد من تأثيرات الحملة العسكرية لموسكو، وبرهنت عن كونها مدمرة استراتيجيا لموسكو.
أهداف مباشرة
وبعد تعثر الحملة العسكرية الأولى العام الماضي، حاولت روسيا إطلاق خطة سياسية، بقيادة رئيس استخباراتها، لإزاحة الأسد من السلطة، وضمان سيطرتها على الانتقال السياسي، لكن الزعيم السوري رفض التزحزح، تاركاً روسيا بخيارات محدودة إلا في تكثيف دعمها العسكري لدمشق. وهذا أيضاً الآن وصل إلى منتهاه.
ولا تزال القدرات العسكرية الروسية في سوريا تشكل عاملاً كبيراً في أي مستقبل للبلاد، بمعزل عن تصريحات بوتين العلنية.
ويقول المحلل في الشؤون الروسية إلكس كولتشاروف، في مجلة «جينز ديفنس ويكلي»: «كما نعرف من أوكرانيا، وينبغي أن نبقي هذا راسخاً في الذهن، ما يقوله بوتين وما يخطط لفعله ليسا بالضرورة الشيء نفسه» مضيفاً: «هذا يبدو وكأنه إعلان سياسي إلى حد بعيد، يهدف إلى تحقيق أهداف مباشرة معينة، لكنني لا أعتقد أن روسيا سوف تنهي خياراتها العسكرية في سوريا هكذا».
ومن المرجح أن تعمر القدرات البحرية لروسيا، الموصوفة بأنها «أسطول جديد في البحر المتوسط»، طويلاً أيضاً، لكن العنصر الرئيس للوجود العسكري الروسي في سوريا هو نشر منظومة بطاريات مضادة للطائرات من طراز «إس 400».
ومع التعهد بإبقاء هذه القدرات للاستخدام الطويل الأمد، فإن لدى روسيا ورقة رابحة دائمة، وهي منطقة حظر طيران تمتد بقطر 400 كم، من قواعدها، تقوم بتشغيلها أينما شاءت.
مرفق دائم
كانت القوات الروسية في سوريا، في أحسن أوضاعها، تعتمد على سرب من 40 طائرة سريعة، هي ثماني طائرات مقاتلة من طراز سوخوي «سو34» المعروفة باسم «فولباك»، و12 طائرة «سو-24» المعروفة باسم «فنسر»، و12 طائرة هجوم أرضي من طراز «سو-25» المعروفة باسم «فروغفوت»، وأربع طائرات «سو30 إس إم» المعروفة باسم «فلانكر»، وأربع طائرات «سو35 إس» المعروفة باسم «فلانكر».
وقد بدأ بعض هذه الطائرات رحلة العودة إلى الديار أخيراً، لكن موسكو أوضحت أنها سوف تحول قاعدتها الجوية في حميميم في سوريا إلى مرفق دائم.
