أخذ الاتحاد الأوروبي على عاتقه، نظراً لحالة الشلل التي يسببها انقسام بلدانه، مهمة تطبيق اتفاق مع تركيا، يحتمل أن يكون غير قابل التنفيذ، لوقف موجة المهاجرين واللاجئين الذين يصلون إلى شواطئ أوروبا الجنوبية الشرقية. وتُحجب الرؤية، وسط هذا النقاش على الأرواح البشرية، عن مجموعة أخرى من التحديات يتصارع معها الاتحاد الأوروبي على جبهة أخرى، وهي جبهة شمال إفريقيا.

وتعد التحديات في كل من الجزائر وليبيا والمغرب أكثر تنوعاً من الأزمة في شرق البحر الأبيض المتوسط، والتغلب عليها أكثر صعوبة، وفي بعض النواحي، فإنها تنذر بوضع أكثر عنفاً.

وعلى عكس تركيا، التي هي حليف لحلف شمالي الأطلسي «ناتو»، ومرشحة لعضوية الاتحاد الأوروبي، فإن الحكومات الأوروبية لن تتمتع بالمزايا نفسها في شمال إفريقيا، عبر إيجاد حل مؤقت لخلافاتها الداخلية من خلال التعاقد من الباطن لحل مشكلاتها.

ليست الأولويات المباشرة في شمال إفريقيا الهجرة الخارجة عن السيطرة إلى أوروبا. فاستنادا إلى «فرونتكس»، الجهاز الأمني على حدود الاتحاد الأوروبي، استخدم 157 ألف مهاجر السنة الماضية الطريق الوسطي للبحر الأبيض المتوسط للعبور إلى إيطاليا.

العدد قد يبدو كبيراً، لكنه انخفض بنسبة 10% عن مستويات عام 2014، وكان أيضا أقل بكثير من عدد 885 ألف شخص وصلوا إلى الاتحاد الأوروبي السنة الماضية عبر شرق البحر الأبيض المتوسط.

لكن افتراض تلاشي الهجرة غير النظامية من شمال إفريقيا قد يكون من باب الرضا عن النفس، ذلك أن الشبكات الإجرامية التي تغتني من خلال تهريب البشر إلى أوروبا نشطة وحية وفي حال جيدة في ليبيا، بل أكثر من ذلك، ليس الأفغان والعراقيون والسوريون من قاموا بالرحلة البحرية السنة الماضية، بل كانت الغالبية من الجنسيات الإرتيرية والنيجيرية والصومالية.

بعبارات أخرى، إنهاء الصراعات في أفغانستان والعراق والأهم في سوريا، حتى لو كان هذا الأمر محتملاً، لن يفعل شيئاً لتخفيف ضغوط الهجرة على أوروبا من إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. وبقدر ما يؤدي تعامل الاتحاد الأوروبي مع تركيا إلى إغلاق طريق شرق البحر الأبيض المتوسط، سوف ينقل المهربون وزبائنهم تركيز انتباههم على ليبيا.

المشكلة الجوهرية في ليبيا تكمن في تفكك سلطة الدولة بعد انتفاضة مدعومة من الغرب في عام 2011، انتهت بمقتل القائد المستبد معمر القذافي الذي حكم منذ عام 1969.

وقد حشد تنظيم «داعش» والجماعات المتشددة الأخرى أكثر من 5 آلاف مقاتل في ليبيا، وبشكل أساسي في منطقة سرت الساحلية في الوسط. والفوضى تمتد إلى تونس، والاشتباكات بين المسلحين المتشددين وقوات الأمن التونسية اندلعت أخيرا على الحدود اللبيبة- التونسية وأسفرت عن مقتل 60 شخصا.

الشريك الأمني

الجزائر هي الشريك الأمني الرئيسي لأوروبا في شمال إفريقيا، واستراتيجية من دون بديل واضح هي استراتيجية محفوفة بالمخاطر، وتعد الجزائر القوة العسكرية الرائدة في منطقة المغرب، وخصم التشدد الإسلامي، وثالث أكبر مزود للغاز إلى الاتحاد الأوروبي بعد روسيا والنرويج.

لكن قادة الجزائر يعارضون بشدة تدخل «الناتو» في ليبيا، وهم على حق في توقعهم اضطرابات عنيفة أن تترتب على ذلك. وطالما أن حكم الرئيس الجزائري عبد العزيز بو تفليقة يلفه الغموض، فإن هناك ما يدعو للقلق في الاتحاد الأوروبي، إذ يرصد المراقبون الخطوط العريضة لصراع على السلطة بين السياسيين المدنيين والجيش والأجهزة الأمنية في الفترة التي ستليه.

وفي المغرب، علّقت الدولة علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي أخيراً، بعد أن أبطلت محكمة أقل درجة من محكمة العدل الأوروبية اتفاقاً تجارياً زراعياً بين الاتحاد الأوروبي والمغرب. واستندت المحكمة في قرارها إلى أن الاتفاق يشمل الصحراء الغربية.

وتقديم المجلس الأوروبي الذي يضم حكومات الاتحاد الأوروبي استئنافاً للحكم أمام محكمة العدل الأوروبية، لاقى ترحيبا من الجزائر التي هي على خلاف مع المغرب حول الصحراء الغربية.

وكما تفيد هذه الحادثة، فإن السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي تواجه عراقيل في شمال إفريقيا، لا علاقة بها بالهجرة غير النظامية، والمتاعب المضاعفة للمنطقة تتطلب نهجا أكثر شمولية، لأنه مع مرور كل عام تلوح في الأفق متاعب أعظم شأناً للاتحاد الأوروبي.

توقعات

تتعاطى الحكومات الغربية، وفي مقدمتها إيطاليا، بعدم جدية بطرحها تدخل عسكري محدود لمواجهة تهديد «داعش»، لكن الإيطاليين لا يستسيغون فكرة التحرك، إلا إذا تمت دعوتهم للقيام بذلك من قبل حكومة وحدة وطنية في ليبيا. والى أي حد قد تكون هذه الحكومة في حال تشكيلها، في وضع مستقر، فهذا أمر واضح للجميع.

ومن منظور الاتحاد الأوروبي، تتلخص التوقعات في ليبيا إما في تحول البلاد إلى موطئ قدم للتشدد على حدود أوروبا، وإما في اتخاذ قرار باستخدام القوة العسكرية بعواقب لا يمكن التنبؤ بشأنها.