سياسة الاحتواء الأميركية منيت بالفشل

ثلاث خطوات تفضي إلى بناء سوريا مستقرة

بمعزل عن تطورات الوضعية الراهنة لوقف إطلاق النار، بات من المؤكد عدم إمكانية الحديث عن وقف كلي ودائم للأعمال العسكرية في سوريا، بل يمكن القول إن مباحثات السلام في الواقع خطيرة وتأتي بنتائج عكسية، لأنها تشعرنا بأن السياسة الحالية تتوفر لها فرص نجاح حقيقية، فيما الأمر ليس كذلك بالضرورة.

كانت هناك محاولة لاحتواء المشكلة السورية لكنها فشلت، وقد أصبح لتنظيم «داعش» الآن أتباع في ثماني دول على الأقل، وأودت الحرب السورية بحياة نصف مليون شخص تقريبا، وهجرت أكثر من 10 ملايين آخرين، وترجح الاستخبارات الأميركية احتمال وقوع هجوم شبيه بهجوم باريس في الولايات المتحدة، بينما يبقى حلفاء أميركا الرئيسيون في الشرق الأوسط في مواجهة مع التطرف والحروب الأهلية.

وليس هناك من معنى لعمل عسكري تقوده أميركا بقوة من 100 ألف جندي، وعندما يسوق الرئيس الأميركي باراك أوباما هذه الحجة يبدو مقنعاً، لكنه يعمل على تشويه مواقف معارضيه عندما يفترض ضمناً أن البديل الوحيد للتدخل الأميركي الحالي المحدود جدا يكمن في مهمة عسكرية واسعة النطاق في الشرق الأوسط، وهو يفعل ذلك ليغدو من السهل عليه مهاجمتهم.

وفي سبيل أن يتكلل التحرك الأميركي بالنجاح، سنحتاج للقيام بالأمور الثلاثة التالية، التي تقلص بمجموعها الهوة في عدم التطابق بين الوسائل والغايات، وبين تطلعاتنا وواقع سوريا مستقرة، وشرق أوسط مستقر أوسع نطاقا:

1 – أياً كانت عناصر المعارضة المعتدلة التي يمكن العمل معها، فإنه لا بد من تعزيز هذه العناصر عسكريا ومساعدتها أكثر بكثير مما عليه الوضع حالياً. وهذا قد يتطلب 500 أو ألف مستشار أميركي على الأرض، في أجزاء مختارة بعناية في سوريا. علاوة على زيادة في المساعدات العسكرية المباشرة إلى قوى المعارضة بما يفوق الكميات الشحيحة التي كنا نوفرها.

ومن الأفضل عدم استخدام مناطق حظر الطيران بطرق يمكنها أن تخاطر بإشعال صراع مع روسيا، لكن يمكننا الرد على طائرات الحكومة السورية التي تهاجم السكان المدنيين والميليشيات المعتدلة، في المكان والزمان الذي نختاره، كعنصر إضافي في تلك السياسة.

2 – رؤيتنا السياسية لسوريا المستقبل تحتاج أن تتغير إلى نموذج كونفدرالي، وينبغي علينا تشجيع الأطراف في مباحثات السلام لرؤية هذا الأمر بوصفه البنيان الواعد لبلاد مستقرة.

ومن المؤكد أنه لم يعد ممكنا قيام دولة قوية موحدة، على الأقل في المستقبل المنظور, فالعداوة أصبحت أكثر عمقاً، وعدم الثقة أكثر تجذرا. بالإضافة إلى ذلك، لا يرغب الرئيس السوري بشار الأسد في التنحي عن السلطة، ومع روسيا وحزب الله إلى جانبه، لا يرى سبباً للقيام بذلك.

وفي غضون ذلك، لن يقبل السنة الذين يعارضون حكمه أبداً العيش مجدداً تحت حكم الدكتاتور الذي ألقى القنابل المتفجرة على أحيائهم، كما أن دول الأغلبية السنية في المنطقة لن تطيق هذا الأمر أيضا. ونحن عالقون بين المطرقة والسندان.

وقد تبدو وسيلة الخروج الوحيدة المنطقية من هذا التناقض مساومة تجيز للأسد الحكم على أجزاء من سوريا، وبشكل واسع الأجزاء العلوية والمسيحية، مع إيجاد مناطق ذات حكم ذاتي وإدارة ذاتية وحفظ أمن ذاتي للجماعات الرئيسية الأخرى. وبالتأكيد، ينبغي هزيمة «داعش» و«جبهة النصرة».

والعالم الغربي لن يوفر مساعدة انعاش اقتصادي للقطاع العلوي المسيحي إلى أن يتنحى الأسد فعلا، باعتبار ذلك قضية مبدأ (وهذا قد يعني انتظار سنوات عدة، طبعاً). وفي الفترة المؤقتة سيكون على هذا القطاع الاستمرار بمساعدة من روسيا وإيران فقط.

ثالثا – يتعين علينا الاعتراف بأنه ستكون هناك حاجة لعملية فرض سلام دولية بالقوة لدعم أي اتفاق محتمل في النهاية، ربما في عام 2017 أو 2018، ما أن نتبنى التغييرين الواردين أعلاه في نهجنا القائم. ومثل هذا الاتفاق ينبغي أن يشمل بعض أجزاء مدن سوريا الكبرى، حلب وحمص وحماه، في اطار منطقة عربية سنية.

وسيتعين علينا أن نتجاوز وهمين مزدوجين: أن لدى أميركا سياسة سورية جدية اليوم، وأن نهجها الحالي برفع يدها عن القضية والسعي إلى احتواء المشكلة نهج قابل للحياة. فات الأوان لحل المشكلة في عهد أوباما، لكن لم يفت الأوان بعد للبدء بعملية التسوية.

حالة صعبة

قد يكون من الأفضل عدم تدخل الروس، لكن بإمكانهم البقاء إذا أصروا، والمساعدة في فرض الأمن في القطاع العلوي المسيحي. وسيتعين على الأمم المتحدة، وحلفاء حلف شمالي الأطلسي «ناتو» أن يلعبوا دوراً فيما يجري، . ومن دون هذه القوة فان أي وقف لإطلاق النار سوف ينهار بالتأكيد.

فسوريا تعيش وضعاً صعباً ومشحوناً في ظل تنوع الجماعات القائمة، وتعدد القوى الخارجية وأجنداتها. ومع نموذج كونفدرالي للحكم، تصبح المتطلبات الواقعة على مهمة حفظ السلام أقل إجهاداً من محاولة تجميع البلاد من جديد .

طباعة Email
تعليقات

تعليقات