اتبعت الولايات المتحدة، على امتداد شهور طويلة، سياسة الزحف المتدرج في تشكيل قواتها في العراق وسوريا، كما في مساعيها لتفكيك تنظيم «داعش» الإرهابي والقضاء على قدراته.
واستمرت على وقع هذا الزحف والتدرج وغياب الاستراتيجية المتناسقة، هي وحلفاؤها، بتحقيق بعض المكاسب، وأصبح التحالف بقيادة أميركا اليوم يوفر كماً هائلاً من القوة الجوية في الهجمات ضد «داعش»، ويدعم القوات العراقية والكردية والعربية المقاتلة.
إلا أنه، بالمعنى الواسع للكلمة، جاء ردّ الفعل الأميركي بطيئاً على تهديد «داعش» والأجزاء الداخلية من العراق وسوريا، ولم يحقق سوى مستويات متدنية من الإضافات التدريجية في صفوف المقاتلين.
وقد شهدت أميركا في هذا الوقت تعمق الشقاق في العراق على أسس إثنية وطائفية، كما كانت شاهداً على التدخل الروسي في سوريا، الذي زاد من حظوظ الرئيس السوري بشار الأسد في البقاء في السلطة، وسجلت مع ذلك فشلاً في تشكيل قوات مشاة عراقية فاعلة أو قوات قتال عربية في سوريا.
أضف إلى ذلك أنها لم تنجح في تخفيف وطأة النفوذ الإيراني، أو فرض وحدة حقيقية لشراكاتها في كل من سوريا والعراق بالتعامل مع الحلفاء العرب.
وفي حين أنه من المهم الإشارة إلى أن الزحف المتدرج كان زهيداً في تكاليفه، حيث لم تصل كلفة مهمات التدريب والمساعدة ومختلف الجهود الاستخبارية الأميركية والقيمة الإجمالية للعمليات المرتبطة بـ «داعش» إلى أكثر من 5.53 مليارات دولار تقريباً حتى اليوم.
ينبغي على أميركا النظر إلى أبعد من الأمن والوصول إلى وضع استراتيجية كبرى، حيث أنه لم يطرأ أي تغيير منذ صدور التقرير الأولي حول استراتيجية الولايات المتحدة للزحف المتدرج. يجب أن تتحرك أميركا من خلال استراتيجية كبرى لمعالجة مسائل إما بقيت خارج إطار المعالجة أو خضعت لمحاولات أقرب ما تكون للفشل.
لن تقدم هزيمة «داعش» الكثير للأمن والاستقرار الإقليميين، إذا لم يتم ربطها بمساعي حل التوترات الطائفية والإثنية الأوسع نطاقاً في كل من العراق وسوريا، كما بجهود مساعدة قادة الدولتين لإدخال الإصلاحات على السياسة والحوكمة، والاقتصاد بما يؤدي إلى التعافي والنمو.
توترات العراق وانقساماته
تفاقمت حدة التوترات الطائفية والإثنية في العراق وسوريا بعدد من جوانبها على امتداد سنوات الصراع منذ العام 2011، على نحو عرقل التوصل إلى أي شكل من أشكال الاستقرار والأمن. وإذا لم تتم معالجة تلك المسائل، فهناك خطر كبير من ألا يشكل «داعش» سوى مقدمة لمشكلات أسوأ.
ويمكن أن يؤدي القتال المتواصل في العراق إلى انقسام العرب السنة والشيعة إلى حدّ تستحيل معه الوحدة، سيما أن الشقاق الحالي قد خلف إرثاً من التوتر والأهداف في المناطق المتصارع عليها بين العرب والأكراد، مما سيؤدي إلى انقسام عراقي على امتداد البلاد يتخذ طابعاً طائفياً وإثنياً.
وحدهم العراقيون قادرون على صياغة تلك الخطط والتوافق بشأنها، وهم بحاجة لأميركا التي أخفقت في هذا المجال. غير أن البنك الدولي يتمتع بالقدرات اللازمة على ما يبدو بدعم أميركي لمساعدة قادة العراق.
تعقيدات الوضع السوري
أما في سوريا فالمشكلة أكثر تعقيداً، يعززها واقع نزوح نصف السكان أو تهجيرهم، ومستوى الدمار الشامل الذي خلفته الحرب الأهلية. كما يمكن تلخيص السبب أيضاً بغياب المحور أو الفصيل السياسي المعتدل والموثوق الذي يمكن ائتمانه، ليكون جهةً فاعلة في مجال الحوكمة وإعادة البناء الاقتصادي والتعافي من الأزمة.
ربما لا يمكن التوصل إلى تقدم حقيقي في سوريا من الخارج، إذ إن الأمر يعتمد على مستوى المبادرة والقيادة والتعاون السوري. وتثبت زوايا المعادلة أن الوضع في سوريا أكثر صعوبة مما هو في العراق، حيث أن أي تسوية لا يمكن أن تتم في ظل الأسد، ولا يزال من غير الواضح كيف يمكن لفصائل سوريا الاتفاق فيما بينها، أو أي جهة تتمتع بالقدرة السياسية لطرح برنامج يمنح الأمل الحقيقي.
وفي ظل اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الأميركية، يبرز السؤال حول ما إذا كانت إدارة الرئيس باراك أوباما قادرة على وضع حجر أساس الحلّ. ليس هناك من استراتيجية عسكرية مجدية بعيداً عن استراتيجية شاملة بالمعنى المدني العسكري، ومن هذا المنطلق، يبرز الأسد و «داعش» كأعراض أكثر منهما المرض الحقيقي.
ضرورة
يحتاج العراق اليوم إلى المزيد من المساعدة العسكرية، والإجراءات المناهضة للفساد، أو نوع من المقاربة التبسيطية نحو الاتحادية. ومن هنا تبرز ضرورة تشكيل حكومة مركزية تعالج الانقسامات بطريقة عملية.
تعيش سوريا انقسامات حادة، وتفتقر إلى الوحدة والقيادة القوية ، والدخول في مفاوضات لا يمكن أن ينتج محصلة مستدامة أو التوصل إلى أحد أشكال الإنهاك المؤدي إلى إحلال «سلام». ولا يمكن لهزيمة «داعش» حلّ تلك المشكلات.
