أحرز التدخل الروسي العسكري في سوريا، أخيراً، انتصارات ميدانيةً لصالح قوات الحكومة السورية، وأمال كفة المعارك لصالح الرئيس السوري بشار الأسد، بما يجعل مطالب إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما حيال التفاوض على تسوية سلمية أقل احتمالاً لأن تكلل بالنجاح.
وعلى الرغم من أن المكاسب المحققة ضيقة النطاق، وتمت بشق الأنفس، واعتبرت من حيث المساحة لا تضفي الكثير، ولا تتماشى مع طبيعة الحرب التراكمية، إلا أن ثلاثة أشهر ونصف الشهر من الضربات الجوية التي ركزت استهدافها على المعارضة المدعومة من الغرب أثبتت أنها كافية لدحض أية شكوك تتعلق بإزاحة الأسد من السلطة بعد خمس سنوات ونصف السنة تقريباً على حكمه. وتستدعي المكاسب الميدانية السؤال حول إمكانية الدخول في مفاوضات بناءة تنهي صراعاً، بات كل من الأسد وحلفائه على اقتناع بتحقيق فوز فيه.
وقالت لينا خطيب، من مؤسسة مبادرة الإصلاح العربي في باريس: «لا شك بأن الأوضاع على الأرض في سوريا لا تساعد على إجراء المفاوضات».
وتسود الكثير من الشكوك حول محادثات السلام المقرر عقدها في جنيف، نظراً للنزاعات القائمة بين روسيا والولايات المتحدة، والجهات التي يرعيانها والأطراف الواجب دعوتها.
وتبدي روسيا والحكومة السورية معارضتهما لعدد من الموفدين المدرجين على لائحة أميركا، بمن في ذلك ممثلين عن مجموعات المعارضة الرئيسية، بحجة أنهم لا يتفاوضون مع جهات يصنفونها بـ«الإرهابية». وتسعى روسيا، عوضاً عن ذلك، إلى إدخال شخصيات معارضة موافق عليها من الحكومة بقيت موالية للأسد ولأكراد سوريا، فيما تخوض على ما يبدو حرباً مختلفة على حسابها الخاص في شمال شرق سوريا.
وأعلن المتحدث باسم الأمم المتحدة، أخيراً، فرحان حق أن مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى سوريا، ستيفان دو ميستورا، لن يوجه دعوات لمحادثات إلى أن تتوافق روسيا وأميركا على جهة تمثيل المعارضة.
وفي حال تم الاتفاق على لائحة المدعوين، لايزال من غير الواضح ما إذا كانت المعارضة ترغب في الحضور بغياب أي مؤشرات سورية روسية تدل على أنهما تخوضان المفاوضات بناءً على حسن النوايا. سيما أن 33 جهة معارضة أصدرت، أخيراً، بياناً أعلنت فيه رفضها الانضمام للمحادثات، إلا إذا توقفت المقاتلات الروسية والتركية عن ضرب أهداف مدنية، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وإرسال مساعدات إنسانية للمناطق المحاصرة، كمضايا.
وتسعى قوى المعارضة كذلك لاستيضاح نقاط أجندة المفاوضات، التي يفترض أن تتوافق رسمياً مع الصيغة المقترحة من كل من روسيا وأميركا في جنيف 2012، حين كانت كفة الفوز تميل إلى المعارضة.
وعلى الرغم من أن مقررات جنيف لم تشترط بوضوح رحيل الأسد، لكن المعارضة وأميركا أعربا عن اعتقادهما بأن تلك هي الغاية المنشودة.
اليوم، بعد قرابة أربع سنوات على سيطرة الجيش السوري وحلفائه على عدة جبهات في شمال وجنوب وقلب البلاد بمساندة الضربات الجوية الروسية، لم يعد هناك من مسببات لشعور الأسد بالضغوطات التي تدفعه للتنحي، سيما وأن أميركا تراجعت عن موقفها المتشدد حيال رحيله.
كما أنه ليس هناك ما يدعو إلى التفكير بأن الحكومة السورية أو الروس مستعدون لتقديم التنازلات، سواء قبل المفاوضات أو بعدها، وفق رأي المحللين.
ويبدو برأي الخطيب أن روسيا وأميركا والحكومة السورية يتعمدون كسب المزيد من الوقت للمضي في سحق المعارضة. وقالت الخطيب في هذا الصدد: «تهدف استراتيجية روسيا لإضعاف المعارضة السورية إلى حدّ التخلص منها تماماً، بحيث لا يعود أحد يجادل على وجود طرف آخر على طاولة التفاوض».
وقال جيف وايت، المحلل العسكري في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى: «في ظل الظروف العسكرية الراهنة، ما من سبب يدفع التحالف القوي للدخول في مفاوضات والتوصل إلى حلّ رابح من جميع الجهات. حيث إنه كلما ازداد قوة ضاعف فرصة إملاء الشروط في المفاوضات».
وأضاف وايت: «إما أن المفاوضات ستفشل بسبب رفض المعارضة الممثلة لأن تصبح جزءاً من الحل الاستسلامي، أو لأن القوى الميدانية ستقبل وتواصل القتال».
حسابات
يشكل عدم انطلاق المفاوضات قريباً فشلاً في تحقيق أحد الأهداف الرئيسية لسياسة أوباما الخارجية، حيث احتل وقف حمام الدم في سوريا أولويةً عقب الاتفاق النووي مع إيران. وأدرك المسؤولين الأميركيين أن أهداف السياسة الخارجية الأخرى، كالقضاء على «داعش» ووقف تدفق اللاجئين لا يمكن تحقيقها دون وقف الحرب.ويبدو أن أعمال القتل ستتواصل، في ظل سعي القوى المؤيدة للحكومة للاستفادة القصوى من ضعف المعارضة.
