تجلت المقررات المعطلة، كأحد أبرز سمات الاحتفالات الأميركية برأس السنة، ولا تشكل الدعوة إلى التوحد في عام الانتخابات، سوى طريقة جيدة لتأكيد تعطيل أي قرارات لاحقة بشكل مبكر ومتكرر. إلا أنه منذ اعتداء تنظيم «داعش» على باريس، اجتمعت عوامل السياسة والنضال نحو رؤية إعلامية واضحة، والجانب التجاري من «الترويج» لمكافحة الإرهاب، لتحويل التهديد الحقيقي والمحدود للإرهاب، إلى أحد أشكال الذعر.
والأسوأ، أن اجتماع تلك العوامل أتى ليحول بعض مظاهر مكافحة الإرهاب، إلى نوعٍ من الإجحاف والتعصب بحق المسلمين والعرب، ما أسفر عن الدعوة لإجراءات جديدة، تخدم في الواقع الأهداف الرئيسة لتنظيمي «داعش» والقاعدة لشن هجماتها على الغرب. وتسعى تلك الإجراءات إلى فصل الغرب عن العالم الإسلامي والشركاء العرب والمسلمين الأساسيين في الحرب على الإرهاب، كما أنها تهمش الأقليات المسلمة في أميركا، والدول الغربية الأخرى.
تشويه طبيعة التهديد
ولا يسهم هذا النوع من الانتهازية في تشويه طبيعة التهديد وتضخيمه فقط، بل يقدم العون للمتشددين والمتطرفين، في موقف يستدعي من أميركا وبقية دول الغرب أخذ المقررات الجديدة الأربعة التالية مأخذ الجد:
أولاً، ينبغي التوقف عن المبالغة في تصوير طبيعة التهديد، على الرغم من أنه حقيقي جداً، ولا يمكن لأحد أن ينكر أنه عادة ما ينتهي إلى مأساة. إلا أنه يحتاج في الوقت عينه لعدم التهويل.
ويتعين أيضاً التوقف عن المبالغة، من خلال اعتماد معايير جديدة ضد الإرهاب، من دون تحليل فعالية التكلفة. فالتصدي للإرهاب بحكمة، وبناءً على تخطيط ومشورة مسؤولين في الحكومة ومشرعين، يقابله التصرف على أساس الانتهازية السياسية والحديث عن بناء أسوار، وفرض حظر على المسلمين والحد من الحريات المدنية والتكنولوجية، ومحاولة التقليص من وطأة التهديد الداخلي بقصف المدنيين في بلدان أخرى.
أما بالنسبة لمسألة التكلفة، فإن الرعب الذي خلفه الإرهاب، لا يحتمل السؤال عن التكلفة أو أي فعالية تكلفة تفضي إلى أي نتيجة. لا بد أن التحركات المعتمدة منذ أحداث 11 سبتمبر، قد أتت ثمارها، ولو على حساب فاتورة باهظة.
احتواء داعش
يجب الكف عن القول بإمكانية هزيمة «داعش»، بدلاً من قصّ أجنحته أو احتوائه في حرب طويلة ضد الإرهاب، حسب القادة العسكريين والاستخباراتيين وخبراء مكافحة الإرهاب. وكان ذلك كله قبل الأحداث السياسية التي عصفت بالعالم العربي، وظهور التشدد في جنوبي وقلب آسيا، والحروب الأهلية في ليبيا وسوريا والعراق واليمن. ومن المهم إدراك أنه في حين برز تنظيم «داعش» كحركة أكثر خطورة وقدرةً على التسبب بالعنف، فإنه لا يشكل أكثر من حوالي ثلث الاعتداءات والضحايا الناجمة عن التطرف.
وسيتواصل الإرهاب والاقتتال الناجم عن تلك القوى على شكل صراعات داخل العالم الإسلامي، أكثر منه صراعاً بين الحضارات. فالمتشددون يرغبون بقطع الروابط بين الدول الإسلامية، وتحويلها نحو تبني رأيهم بالحكم الديني والغرب، وتحويل مسلميها إلى حلفاء يمدونهم بالمال والعناصر، وإبعاد الإسلام عن جذوره. وهم لن يركزوا على أميركا أو الغرب، بل سيواصلون الاعتداءات الإرهابية والضغوطات الإيديولوجية إلى ما لا نهاية مستقبلاً.
قد نتمكن من حلّ «داعش» وتفكيكه، لكن لا بد من ظهور خلفاء له، بحيث تواجه أميركا وحلفاؤها الغربيون والعرب تهديدات مستمرة لعقد على الأقل.
التعاون مع الحلفاء
لا بد من الإقرار بوضوح، بحقيقة أننا لا نستطيع إلا احتواء التهديد، تمهيداً لإنهائه، من خلال العمل مع الحلفاء العرب والمسلمين. ويمكننا احتواء التهديد والحدّ منه بقوة، طالما لدينا شركاء عرب ومسلمون.
ليس هناك من تحرك يمكن أن يقوي شوكة المتطرفين ويؤدي إلى المزيد من الاعتداءات على أميركا، من تهميش المسلمين وحلفائنا في الدول الإسلامية الأساسيين في هزيمة المتشددين، والحفاظ على القيم الحقيقية للإسلام.
بعض المقررات الجديدة لا تحتاج لأن تتخذ وحسب، بل أن يحافظ عليها، فأميركا لا تواجه التهديد الحقيقي للاعتداءات الإرهابية على أرضها وخارجها، بل إنه لا يمكن مواجهة التهديد بالتعصب والرعب والإجحاف.
منطق
لا يمكن لأي قوة أو أي معدل انتصار ضد «داعش» وضع حدٍّ لتهديد التطرف الناجم عن سيل من الضغوطات، بما فيها الصراع الإيديولوجي العالمي حول مستقبل الإسلام، وتأثير التزايد السكاني والنمو، والحوكمة الفاشلة والفاسدة، والاضطهاد وغياب حكم القانون وغيرها.
قبل فترة طويلة من أحداث العالم العربي، حذرت تقارير الأمم المتحدة من أن مزيج القوى هذا قد ينفجر، ويسفر عن دول فاشلة، تتطلب عقوداً أو أكثر ربما من القيادة الرشيدة والإصلاح لإنهاضها.
