وصف العديد من المراقبين الدوليين تصويت البرلمان البريطاني المؤيد لشن غارات جوية على سوريا بالقرار التاريخي في نواح كثيرة، أولها أنه كان تصويتاً للتكتيك أكثر منه لسياسة أو استراتيجية معينتين. وقد عارض بعض النواب هذا التحرك على قاعدة أنه يسير باتجاه خوض الحرب ضد «داعش». وتصدى بعضهم الآخر للاقتراح باعتبار أن الغارات الجوية لا تشكل جزءاً من استراتيجية سياسية أو عسكرية جديرة بالثقة.
إذا كانت كل من بريطانيا والمجتمع الدولي جادين بشأن المضي قدما في مسيرة «تفكيك داعش والقضاء عليه كلياً»، فلا بد من وجود استراتيجية لذلك. ونستعرض فيما يلي بعض المبادئ الأساسية التي يمكن أن تحدد ميزات ومراحل مثل هذه الاستراتيجية الناجحة.
أولاً، يتعين النظر في مسألة قوات المشاة، التي يعتبر تحقيق النصر بغيابها مستبعداً، سيما وأن الأسطورة التي دارت حول الميليشيات المعتدلة قد كشف زيفها بالكامل.
كما يتعين النظر في الخيارات البديلة المتوفرة، سيما في ظل قرار الغرب بعدم الرغبة بتوريط القوات على الأرض، وحيث يبقى الحل الأسهل على المستوى العسكري باستخدام القوات السورية المحلية، على الرغم مما يشكله ذلك من خيار يصعب استيعابه وتقبله من قبل قادة الغرب، الذين اتخذوا القرار بضرورة رحيل الرئيس السوري بشار الأسد.
وتشكل بعض القوى الإقليمية من بلدان مثل تركيا والأردن وعمان ومصر خياراً آخر، حيث يجب أن يقتصر الاستخدام المؤقت للقوات الخاصة الغربية عند حد نشر قوات المشاة على الأرض. وإلا فسيتجلى خطر تعزيز رواية المتشددين المروجين بأن الحرب تدور بين الإسلام والغرب.
ثانياً، يجب أن يكون العدو الذي نواجهه واضحاً، فتنظيم «داعش» تم تصنيفه على أنه العدو، لكنه مشابه من الناحية العقائدية لجبهة النصرة وتنظيم القاعدة.
وإذا استهدف «داعش» دون النصرة،فمن المحتمل أن يبدّل المقاتلون جهة الانتماء تملصاً. وأي تحرك لتفكيك «داعش» سيؤدي إلى تقوية القاعدة،ويضاعف تركيزها على استهداف الدول الغربية. لذا من المهم تحديد ومواجهة جميع أنواع المتشددين، بغض النظر عن انتماءاتهم وولائهم القتالي.
وتتمحور النقطة الثالثة حول تحديد وعزل ساحة القتال، حيث تبرز الضرورة إلى الحدّ من حرية تحرك التنظيم وإمكانية نقل المقاتلين والعتاد والسلع عبر الحدود. وهكذا، فإن المرحلة الأولى من أي مخطط استراتيجي ينبغي أن يهدف للمراقبة والسيطرة على المناطق الحدودية. كما يجب التوصل إلى اتفاق مع النظام السوري، عبر الجانب الروسي ربما،حول القيام بالأمر عينه على طول الخطوط الأمامية للقتال.
وحالما تتبع خطة العزل، ينبغي أن تتركز استراتيجية قتال «داعش» على مفهوم المناورة المتبع في الحروب. ويمكن لقوى التحالف باستخدام قدراتها المتفوقة الاستخبارية والقيادية والتحكمية أن تعمد سريعاً إلى توجيه قوات المشاة إلى المناطق التي يمكن لها السيطرة عليها، بهدف تقطيع أوصال المنطقة التي تقع حالياً تحت سيطرة التنظيم وتوزيعها على عدة مناطق منفصلة.
إنه سيدمر الأسطورة السياسية المتعلقة بمبدأ الخلافة القائمة على أساس الدولة، كما سيعرقل مسيرة «داعش» في العمل كتنظيم متماسك، بما يؤدي إلى تفكيكه وإضعاف قدراته القتالية وتثبيط عزيمة عناصره.
إلا أنه يجب عدم المبالغة في التوصل إلى تلك المحصلة، حيث إنه من المرجح أن يعود تنظيم «داعش» إلى حالته الأصلية،كمنظمة إرهابية قائمة على الخلايا المنفذة لتحركاتها من مراكز داخل المدن. ويتعين على التحالف من هذا المنطلق بالذات إبداء طول أناة استراتيجية، إذ إنه من غير الحكمة مهاجمة المتشددين في قرى ومدن مأهولة بالمدنيين الأبرياء.
تكتيك
يقتضي اعتماد التكتيك الرابع القائم على المباشرة «بفرض الحصار» حيث يسمح للمدنيين بالمغادرة ودخول الطعام والحاجيات الأخرى الضرورية. سيستغرق الأمر شهوراً على الأرجح قبل توفر الظروف الملائمة لاستعادة المناطق،دون أن تترتب الكثير من المخاطر على هذه الخطوة.
يشكل تنظيم «داعش» والقاعدة من قبله تهديداً للأمن لما يحققه من نجاحات، تنبع من قدرتها على الإبداع استراتيجياً، كما على قدراتها بأخذ زمام المبادرة، واعتماد التركيز عملياً.
