حمل التدخل العسكري الذي قامت به روسيا على عجل في سوريا، أخيراً، وقع المفاجأة، على الرغم من أنه لم يكن صادماً بقدر احتلال وضم القرم. لكن هل تثبت قدرة روسيا على المفاجأة وفرض القوة في سوريا، كما يزعم غاريت كامبل، أن محاولات الغرب «نزع المصداقية عن القدرات العسكرية الروسية» غير دقيقة؟

يبلغنا الشهر الأول من العمليات الروسية في سوريا بالقليل عن قدرات موسكو العسكرية، ويظهر أن القيادة الروسية مستعدة لتوظيف الآليات العسكرية للسياسة على نحو يتخطى حدود المغامرة المحسوبة بالنسبة لسياسيي الغرب.

وتنطوي هذه النزعة لمواجهة كبريات المخاطر على فوائد سياسية متنوعة. لكن يبقى من غير الواضح ما إذا كان الجيش الروسي مستعداً لتولي المهمة، سيما في ظل التطورات التي تلوح في أفق الحرب السورية، والتي سيتحمل دون شك ملامة وقوعها.

كان يفترض بإعادة التسليح المكثف أن تعوض عن سوء التنظيم الناجم عن الإصلاحات الجذرية الروسية، التي ألحقت الضرر بسلاح الجو الروسي على وجه التحديد، وأسفرت عن كابوس لوجيستي وتنظيمي، أنتج سلسلةً من حوادث الاصطدام الصيف الماضي، تضمنت خسارة قاذفتي قنابل استراتيجيتين من طراز «تو 95 إم إس»، إضافة إلى تحطم طائرة «ميغ-31» فوق كامشاتكا، أخيراً.

ولا يتعارض تنفيذ تدخل محدود في الحرب الأهلية السورية المتبدلة مع تلك الإصلاحات، مع أنه يفضي إلى ترك تأثير سياسي مبالغ فيه. من الأهمية بمكان ألا ننظر للقدرات الروسية من نافذة الأساليب الغربية لخوض الحروب. لكن من المهم أيضاً أن نتذكر أن بعض الحقائق الحربية القاسية ستفرض نفسها، بغض النظر عن أسلوب الحرب المتبع.

لم يكن التدخل الروسي في سوريا ممكناً على الإطلاق لولا «الحرب الهجينة» في شرق أوكرانيا، التي عرقلت قدرة الكتائب الروسية القادرة على القتال، ولم تشهد عملياً أي استخدام للقوة الجوية. وبدت سوريا خياراً أسهل، حيث اتسم بالسلاسة نشر أفواج القوات الجوية في قاعدة حميميم الجوية، التي تم تجهيزها على عجل خارج اللاذقية. لكن مع دخول الحرب الجوية الشهر الثاني بدأت تظهر مشكلات هذا المسار.

ومن الواضح أن خطة النظام الروسي اقتضت استخدام الانتصارات الميدانية المبدئية للتفاوض على إنهاء الحرب الأهلية من موقع القوة.

لكن للأسف لم يحدث أن تحققت تلك الانتصارات العسكرية الكبرى. فبدأ «داعش» وأطراف أخرى من المعارضة في شن هجمات مضادة، حيث يبدو جمع مختلف الجهات حول طاولة المفاوضات أصعب من أي وقت مضى. إن فشل تلك المفاوضات سيصعب على قادة روسيا إيجاد فرصة إعلان النصر والعودة.

يعني استمرار المغامرة العسكرية الروسية انتظار حلول تطور ما، غير أنه خيار لا يبدو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مستعداً لاتخاذه، بالرغم مما ينطوي عليه من مخاطر. وبينما يمضي اقتصاد البلاد نحو الغرق، يحتاج بوتين لانتصارات جديدة تبقي روسيا مستنفرةً حول أجندة وطنيةٍ جامعة،..

حيث الآليات العسكرية وحدها تضمن نجاح جهوده الطموحة لفرض القوة من موقع الضعف. وقد تم تمويه مأزق دونباس في أوكرانيا بنجاح من قبل المغامرة السورية، إلا أن المستقبل القريب قد يتطلب مصدر إلهاء جديد عن هذه الورطة الجديدة. وقد يتم اختيار جورجيا مجدداً كهدف مناسب، لكن الواقع يتمثل في عدم وجود قوات عسكرية كثيرة جاهزة للتنفيذ.

ويتمثل الخط الأخير، الذي أتى لصالح بقاء النظام السوري، في انكفاء بوتين إلى الموقع «الآمن» للمواجهة العسكرية، إلا أن الجيش الروسي ليس قادراً على السيطرة في تلك المواجهة، ولا يسع الاقتصاد الروسي كذلك دعمها.