يرسل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إشارات توضح رسالة خطابه أمام الجمعية العامة في الأمم المتحدة، مفادها الدعوة للتحالف مع الرئيس السوري بشار الأسد، ويقول إن الأسد قد يكون قاتلاً، لكن يجب ألا نترك ذلك يقف في الطريق. ويلخص فحوى الرسالة المعضلة الأكبر التي تواجه صناع السياسة في الغرب، ويتزامن مع مواجهة تدفق اللاجئين الهائل الناجم عن الحرب في سوريا.
وتكمن أولوية بوتين، من وراء هذه الخطوة، في جعل الأسد متراساً بوجه «داعش» ووضع روسيا في قلب معادلة الاستراتيجية الدولية الجديدة حيال سوريا. وقد خطت روسيا سريعاً نحو إثبات إصرارها، فشرعت في نشر قواتها العسكرية في المناطق السورية الساحلية الخاضعة لسيطرة قوات الأسد، فأطاحت بميزان القوى الغربية في البلاد.
بدايةً، إذا وضعنا جانباً مسألة التفكير بالتمني السطحي، فإننا نجد أنه لا إشارة موثوقة تدل على استعداد بوتين للإطاحة بالأسد أو استبداله. ولم تكن هناك أية نية جدية لروسيا للقيام بذلك في أي مرحلة.
وحين التقت الدول العظمى في صيف 2012 في جنيف لمناقشة حكومة الوحدة الوطنية السورية، أكدت روسيا على أن تتضمن الخطوة عدم رحيل الأسد عن السلطة، وقد واظبت على حماية الرئيس السوري ليس محبةً فيه بل لأنه يمثل، عقب الإطاحة بنظام الرئيس الليبي معمر القذافي، موطئ روسيا الأخير في الشرق الأوسط، وبالتالي الفرصة الأمثل لإظهار هشاشة الغرب.
ثانياً، يشكل مصدر الإلهام الرئيس لبوتين حول قضايا الشرق الأوسط رئيس وزراء روسيا الأسبق يفجيني بريماكوف صاحب نظرية كيفية انعكاس دور روسيا في المنطقة على مكانتها الدولية وقدرتها على التصدي للنفوذ الأميركي، والمندد بأحداث الربيع العربي، باعتباره مخططاً غربياً لقلب الأنظمة ينبغي التصدي له.
وقد أعرب بوتين نفسه عن تلك النوايا، حين تحدث بوضوح عن نوع «العملية السياسية» التي يفكر فيها، والتي تقوم على انتخابات برلمانية مبكرة، وإقامة علاقات مع ما يسمى بالمعارضة الصحية، وإشراكها في حكم البلاد، كل ذلك «بالتوافق» مع الأسد.
ثالثاً، عند الحديث عن «مناهضة الإرهاب»، من المهم التأمل بمعنى العبارة، التي تنحصر بالنسبة للغرب بقتال «داعش»، في حين أنها بالنسبة للأسد المدعوم من موسكو، فإن أي معارضة سياسية لحكمه تفاقم مستوى الإرهاب. وقد قتل باسم مناهضة الإرهاب عشرات آلاف السوريين، ودمرت مدن وأحياء بأكملها.
إلا أن ذلك لا يعني أن الحديث مع بوتين بشأن سوريا أمر خاطئ بحد ذاته، حيث إن ما يهم حقاً هي الالتزامات والتحركات الناجمة عن ذلك. وإذا كان بوتين يهتم فعلياً بما يصفه الغرب بمناهضة الإرهاب، فعليه الحدّ فوراً من البراميل المتفجرة والفظاعات التي ترتكبها الحكومة السورية، حيث تعتبر الآلة العسكرية للأسد السبب الأساسي في قتل المدنيين، وهي مدعومة اليوم بالأسلحة الروسية.
يتغذى الأسد و«داعش» أحدهما على الآخر، ويخدم كثيراً مصالح الأسد أن تظهر سوريا مسرحاً للصراع بينه وبين التطرف، فيما «داعش» يتمكن من تجنيد المقاتلين بذريعة الدفاع عن المجتمعات السنية بوجه عدوان قوات الأسد.
ويمكن اعتبار المنطق الروسي القائم على دعم نظام يغذي تجنيد المتطرفين، بدلاً من أن يقلصه، أمراً متناقضاً، سيما وأن لروسيا مخاوف داخلية من انتشار التشدد على حدودها الجنوبية.
إلا أنه بالنسبة لبوتين، تشكل المكاسب السياسية الناجمة عن استخدام حليف واستعراض القوة والنفوذ الروسيين في الشرق الأوسط في ظل ارتباك الغرب، أهمية كبرى تتخطى التناقض الواضح. وحتى لو انتهى الأمر بالأسد يوماً ما مقتولاً أو سجيناً أو هارباً، فستظل روسيا تتمتع بموقع القوة.
يشكل اقتراح بوتين بتحالف الغرب مع الأسد وهماً يؤدي إلى المزيد من سفك الدماء في سوريا، ولا يحل أزمة اللاجئين. كما أنه يخاطر بجعل سوريا جحيما أكبر يرتبط بدعم الأطراف الإقليمية للمقاتلين في مواجهة الدعم الذي يتلقاه الأسد.
