أوضحت الأحداث في العراق خلال الشهر الماضي أن أي نجاح يقتضي مشاركة الحكومة العراقية والإدارة الأميركية في المضي إلى ما يتجاوز الحرب ضد تنظيم «داعش»، ويجعل أي نقاش حزبي يتعلق بمن الذي خسر العراق أمراً مسيئاً لمصالح واشنطن، مثل أي وجه آخر من أوجه اندفاع أميركا نحو التطرف الحزبي.

الحرب ضد تنظيم «داعش» مصلحة وطنية أميركية مهمة، وهي لا تهدد فحسب بإيجاد مركز رئيس للإرهاب والتطرف في جزء مهم من الشرق الأوسط، وهو مركز يمكن أن يمضي ليهدد تدفق صادرات الطاقة والاقتصاد العالمي، بل قد يصبح مركزاً رئيساً للإرهاب الدولي. ومن الأهمية بمكان أن فهم أن تنظيم «داعش» هو سبب واحد فحسب لعدم الاستقرار في المنطقة، وأحد التهديدات المترتبة على انتشار العنف العرقي والطائفي.

نبذ العنف

يعتبر العراق نموذجاً رئيساً في هذا الصدد، ولا يمكن أن تجلب هزيمة تنظيم «داعش» الأمن والاستقرار للعراق أو الوحدة والقوة اللازمتين لمقاومة الضغط من إيران والتهديدات الموجودة في سوريا وتركيا.

ولا يمكن لأي مسار للعمل العسكري في حد ذاته أن يوجد نظاماً واقتصاداً مستقرين، وأن يقلل التوتر بين السنة والشيعة في العراق وبين العرب والأكراد إلى مستويات يمكن معها تحقيق التعايش المطلوب. وعلى غرار سوريا وليبيا واليمن، فإن العمل العسكري يجب أن يكون مصحوباً بتحرك سياسي واقتصادي وإيجاد شكل من أشكال الحكم القابل للاستمرار.

ويجب على صانعي السياسة الأميركية إدراك أنه لا شيء أكثر ضرراً أو لا يخدم المصالح الأميركية في هذه المرحلة من النقاش الحزبي الذي يركز على ما إذا كان الرئيس الأميركي السابق جورج بوش أو الرئيس باراك أوباما «خسر العراق»، بسبب سوء إدارة المجهود الحربي الأميركي.

الوضع العسكري- المدني الأوسع نطاقا في العراق أقل سوءاً من ذلك الموجود في سوريا. وعلى الرغم من ذلك لا يمكن للعراق أن ينتظر تحقيق مثل هكذا «النصر» للتعامل مع مشكلاته الداخلية، وسيزيد مثل هذا النصر من حدة الصراعات بين السنة والشيعة والأكراد والعرب في حال انتهى الأمر بطريقة لا تمنح السنة في العراق مستقبلاً واضحاً.

كما أنه يجعل من مواجهة تنظيم «داعش» تحريراً حقيقياً بدلاً من أن يقود إلى مزيد من إساءة معاملة الشيعة للسنة، والتمهيد لصراع على المناطق التي يسيطر عليها الأكراد و صلاحيات الحكومة الكردية.

تطبيق القانون

ولا يمكن للعراق أيضاً أن يوجد قوة أمنية تطبق القانون بفاعلية من دون أن تعالج موضوع الانقسامات الطائفية والدينية، التي تفتت المجتمع. ولن ينجح أي نوع من أنواع الحملات الجوية أو مهام التدريب أو الاستشارة العسكرية في حال ظل العراق مقسماً بين الطائفة الشيعية التي تسيطر على الجهاز العسكري والشرطة والميليشيا الشيعية وبين القوات الكردية المنفصلة والخليط الضعيف من القبائل السنية التي تنشط في المناطق الغربية فقط من العراق.

ويجب أن يوضع اللوم على كل من إدارتي بوش وأوباما بشأن العملية السياسية التي أدت إلى تقسم العراق على أسس عرقية وإثنية، ودفعت العراقيين لمقاومة الوجود الاستشاري والقوات الأميركية، فضلاً عن تمكين المالكي من تسيس القوات العراقية، وتقسيم البلاد.

وقد أدى هذا كله إلى جر العراق إلى حالة منخفضة من الحرب الأهلية عام 2013، وأوجد الأوضاع التي تمكن فيها تنظيم «داعش» من غزو العراق. التاريخ الكامل لهذه الأحداث سيظهر أن مشكلات العراق بدأت منذ ما قبل الغزو الأميركي، وأنها حدثت بفعل الانقسامات العراقية أكثر ما حدثت بفعل الأخطاء الأميركية