معظم الأميركيين لم يسمعوا قط بإد ميليباند، وبالنظر إلى نتائج الانتخابات البريطانية، أخيراً، فإن من المؤكد أنهم لن يسمعوا به أبداً، وبعد الهزيمة الساحقة التي لحقت به، استقال من منصبه كزعيم لحزب العمال.

ويثبت فشله وحزبه في الانتخابات، أن الانتخابات القديمة تذكر بالقول المأثور بأن القادة المفتقدين للجاذبية والحملات غير الكفؤة، غالباً ما يحصدون نتائج سلبية، ولا يعني ذلك تهميش منجزات ديفيد كاميرون، الذي فاز حزبه بانتصار مدوٍ، ولم يكن مفاجئاً فقط من حيث أنه أخرج ميليباند من منصبه، بل أيضاً في جميع الاحتمالات التي أشارت إليها استطلاعات الرأي التي جرت، في بريطانيا قبيل الانتخابات.

تغير العلاقات الدولية

كما فاجأ كاميرون المراقبين بفوزه في الانتخابات، إلى درجة جعلت أصداءها تترد في الانتخابات التي فاز فيها بنيامين نتنياهو في إسرائيل، التي طالما حظيت هي وبريطانيا بعلاقات خاصة ووثيقة مع الولايات المتحدة على امتداد سنوات طويلة..

وتظهر الانتخابات البريطانية والإسرائيلية التي جرت على مستويات عدة، أن هذه العلاقات الخاصة أصبحت تتهاوى بصورة مستمرة، ولم تعد أي منها تشبه تلك التي سادت سابقاً. ويرجع جزء من هذا التهاوي في العلاقة إلى أسباب تاريخية، جعلت من كلا الدولتين أقل أهمية بالنسبة للولايات المتحدة.

وأصبحت تلك العلاقات التاريخية، مجرد ظلال باهتة، فبريطانيا لم تعد تُدرس أطفالها خرائط العالم التي تظهر ربعه ملوناً بالأحمر أو الوردي، لتظهر الأراضي التابعة لإمبراطورتيها التي لا تغيب عنها الشمس، وما يوضح هذا التراجع في العلاقات، هو حجم الجيش البريطاني، فقد طرأت عليه تخفيضات اعتيادية، وتقلص عدد أفراده من 102 ألف جندي إلى 82 ألفاً..

بينما تشير تقارير حديثة إلى أن تخفيضات أكبر قد تقلل حجمه إلى 50 ألفاً خلال السنوات القليلة المقبلة، وتواجه بريطانيا في المستقبل القريب احتمالاً يتمثل في أن الجيش الذي غزا العالم يوماً، سيكون بحجم قسم شرطة نيويورك.

وعلى غرار ذلك، اعتبرت إسرائيل على امتداد أجيال عدة، أنها مركز سياسات الشرق الأوسط الأميركية، وكان ينظر إليها على أنها أهم حليف لأميركا، وأكثر داعم لها أيضاً، لكن الأحداث العالمية أضرت بأهمية تل أبيب من الناحية العملية.

وشكلت إسرائيل في يوم من الأيام عنصراً أساسياً لاستراتيجية الولايات المتحدة خلال الحرب الباردة، إلا أن هذه الحرب انتهت، وكان الشرق الأوسط في يوم من الأيام، أكثر أهمية للولايات المتحدة كمصدر للطاقة، إلا أن تلك الأهمية تقلصت الآن، مقارنة بأي وقت مضى منذ الحرب العالمية الثانية.

وطالما نُظر للصراع الفلسطيني الإسرائيلي على أنه الأساس لجميع المشكلات والقضايا الجيوسياسية في المنطقة، إلا أن القضية تراجعت أهميتها الآن بالنسبة للولايات المتحدة، بعد أن كانت الأولى ضمن أولوياتها في المنطقة، فهناك الآن قضايا أهم، مثل:

العراق وسوريا وأفغانستان، وقضية إيران، المتمثلة في الصفقة النووية، وانتشار التطرف في اليمن والأزمة الحالية، والفوضى التي تلوح في الأفق في ليبيا، والاستقرار المصري، والحفاظ على دعم حلفاء واشنطن التقليديين من العرب، ومجموعة قضايا أخرى مماثلة.

الاستراتيجية المقبلة

وبالنظر إلى احتمال وصول صفقة الرئيس الأميركي باراك أوباما مع إيران إلى نهاية ناجحة، وإلى التزام الولايات المتحدة بالتأكيد على أن هذه هي القضية المحورية بالنسبة لها، فإن احتمال أن تزداد العلاقات بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والبيت الأبيض سوءاً، وقد يكون لهذا التردي آثار عدة، بعضها يبدو جلياً الآن.

وفي ظل التغيرات في العلاقات الإسرائيلية الأميركية، فإن الإسرائيليين سيسعون إلى تنويع علاقاتهم الدولية، وسيعززون علاقتهم مع الهند والصين وروسيا وآخرين، وستسعى الولايات المتحدة إلى تعزيز بعض العلاقات، وإلى إنشاء أخرى، سواء كان ذلك مع إيران أو شركائها في الخليج.

مسار العلاقات

هل سيسعى الرئيس الأميركي المقبل بشدة إلى مراجعة مسار هذه العلاقات بشكل حاسم؟ لا شك أن المرشحين الرئاسيين الأميركيين، سيسعون إلى تحقيق ذلك خلال الأشهر القليلة المقبلة، إلا أن العوامل التاريخية والتوجهات الجيوسياسية المذكورة، ستجعل من الصعب إعادة العلاقات إلى المكانة الخاصة التي كانت تحظى بها في الماضي، وبالنسبة إلى كل من كاميرون ونتنياهو، فإنهم سيحاولون إنكار هذه الحقيقة الراسخة، إلا أنهم سيجدون أن من الصعب عليهم ذلك.