فيما خطفت مفاوضات البرنامج النووي الإيراني الاهتمام الإعلامي، خلال الآونة الأخيرة، كانت التقارير تتحدث عن تطورات وازنة بحرية ونووية، لها طابع سباق التسلح الخطير في الشرق الأقصى وشبه القارة الهندية.

عملية البناء الحربي الجارية، بنوعيتها وكميتها، معطوفة على الخلفية المعروفة التي تحكم علاقات الثلاثي النووي الصيني – الهندي – الباكستاني، تؤشر إلى أن التوتر في المنطقة مرشح للمزيد من التفاقم.

بل أنه يهدد بوقوع صدامات مفتوحة على كل الاحتمالات، ما لم تستبقها الدبلوماسية، وتلجم القوى المتنابذة والمتنافسة بطموحاتها التي يتجه بعضها نحو ممارسة الهيمنة الإقليمية، أو ينتظر بعضها الآخر وقوع أي شرارة لإشعال نار المواجهة مع الجار اللدود.

منذ سنوات عدة، والحراك العسكري الصيني في منطقة بحر الصين الجنوبي يثير القلق لدى الجوار. خاصة الياباني، حيث كادت أن تصل الأمور بينهما إلى التصادم حول ملكية عدد من الجزر غير المسكونة والأشبه بالنتوءات الصخرية الصغيرة. محاولة الصين فرض سيادتها عليها استحضرت ماضي العلاقات المثقل بالعداء، مع ما رافق ذلك من تصعيد تم ضبطه قبل الانفجار.

مناوشات الجيران

الآن وبعد مناوشات عديدة من هذا النوع بين بكين وجيرانها، تقوم هذه الأخيرة ببناء جزيرة اصطناعية صغيرة وسط البحر " بمساحة 1,5 ميل مربع رصفت سطحها بالإسمنت. " تقول بكين بأن عملها هذا " قانوني لا غبار عليه ولها كل الحق في القيام به كما أنه لا يؤثر على أحد ".

حسب التفسيرات الأميركية، ربما كان المقصود من إيجاد يابسة، وسط المياه المتنازع عليها هناك، إقامة منطقة سيادية جوية وبحرية فوق وحول الجزيرة وبما يسمح لها بالتالي تمديد وتوسيع نطاق رقابتها ومدى حزامها الجوي.

يواكب ذلك صعود صيني بحري عسكري بدأت ملامحه تظهر بشكل لافت في الآونة الأخيرة. أول حاملة طائرات صينية نزلت إلى الخدمة أخيرا. لكن سلاح البحرية الصيني ليست لديه تجربة في المجال العملي لمثل هذه الثكنة العائمة. قائد البحرية الصينية قام أخيرا بجولة أميركية، في سعي لطلب التعاون في هذا المجال، كما لابتعاث طلاب إلى الكليات البحرية الأميركية. حظي بالموافقة على الزيارات، لكن ليس على دخول الكليات.

واشنطن متوجسة من الصعود الصيني البحري بشكل خاص. بكين تسعى " ليس فقط لمنافسة القوة البحرية الأميركية بل أيضاً لبناء أسطول متفوق على الأميركي "، على من نسب إلى مصدر صيني قوله. وسواء كان ذلك من باب الطموح المبدئي المتعذر تحقيقه في المدى المنظور، أو من باب الواقع المقبل، فإن مجرد طرحه في ضوء إنجازات الصين المتوالية، يثير القلق في واشنطن. فهذا بلد جاد سجل اختراقات كبيرة.

ومثل أي امبراطورية متمكنة عرفها التاريخ، يسعى إلى تكليل صعوده بقوة بحرية. وحتى لو أنها لا تقوى على مجاراة أميركا أو منافستها في البحار في المدى المنظور، فإنها سائرة باتجاه تكريس نفوذها البحري في محيطها الإقليمي خلال المدى غير البعيد. وهذا ما يقلق واشنطن،لأن ذلك في النهاية ليس اقل من شراكة في الهيمنة البحرية الإقليمية.

يضاف إلى ذلك أن الصين تواصل تعزيز ترسانتها النووية. بحوزتها الآن وفق التقديرات الأميركية، 250 رأسا نوويا، والزيادة متوالية.

ليست الصين بمفردها، فباكستان تملك الآن " 120 قنبلة مرشحة لتصبح ثلاثة أضعاف في غضون عقد من الزمن " حسب التقديرات الأميركية. وقد عقدت صفقة أخيرا، لشراء خمس غواصات ديزل صينية بقيمة 5 مليارات دولار، قادرة على حمل صواريخ نووية.

الهند " تراكم مخزونها من السلاح النووي ولو ببطء. ولديها في الوقت الراهن 119 رأساً نووية . الجديد أن هذه الدول المتخاصمة – الهند ضد باكستان. الصين ضد الهند. الصين يجمعها بباكستان العداء للهند – تخطط وتعمل على نشر سلاحها النووي في أساطيلها البحرية، مع ما يعني ذلك من توسيع لميدان منافساتها واستطراداً لاحتمالات الصدام في ما بينها. وكأن الشرق الأقصى محسود من الشرق الأوسط ويتعجّل نقل الصراعات الدولية إلى ساحته.