الموضوع ليس جديداً، ولا هو وليد أزمة أوكرانيا. ربما تكون هذه قد وضعته في دائرة الضوء. الهمس الأميركي حوله مزمن. يعود إلى سنوات ما بعد الحرب الباردة، خاصة في العقد الأخير. خلاله بدأت واشنطن تبدي تذمرها من «شحّ» إنفاق شركائها الأوروبيين على التسليح.

كما أخذت عليهم «قصورهم» في الوفاء بالتزاماتهم العسكرية تجاه حلف «ناتو». وفي الآونة الأخيرة، انتقلت المآخذ من التسريب إلى العلن. صارت موضوع نقد مكشوف للأوروبيين يتحدث عنه وبصراحة كبار العسكريين والمسؤولين الأميركيين. ويشير عزوف الأوروبيين عن الامتثال، إلى أن في المسألة ما هو أكثر وأبعد من معدلات إنفاق عسكري معينة.

وإلاّ كيف تكون بريطانيا، أقرب حلفاء واشنطن في القارة، الأشد تمسكاً بعصر النفقات العسكرية، وفي ظل حكومة من حزب مارغريت تاتشر المحافظ، المعروف عنه أنه يمثل الصقور في القضايا الدفاعية؟ بل هي الآن الأكثر عرضة للانتقادات الأميركية في هذا الخصوص.

تباين الحلفاء

بدأ التباين يتزايد مع تراجع الحلفاء الأوروبيين عن الالتزام بنسبة إنفاق دفاعي تعادل 2% من إجمالي الناتج المحلي. معدل جرى تحديده خلال الحرب الباردة كقاعدة يقتضي الالتزام بها للنهوض بالأعباء العسكرية الموزعة على أعضاء «حلف الناتو».

في المقابل تنفق أميركا 4,06% من إجمالي ناتجها على التسليح. من هذه النسبة تقدّم 70% من نفقات الحلف والأوروبيون يتحملون 30%. بذلك كان «ناتو» ومازال، مؤسسة عسكرية أميركية ينتمي إليها حلفاء أوروبيون.

هؤلاء الحلفاء بدؤوا في إعادة النظر في حساباتهم بعد الحرب الباردة. مع الانهيار السوفييتي، غاب مبرر الحلف وعلّة وجوده. دواعي المخصصات الدفاعية العالية، لم تعد قائمة. كان الرد الأميركي بأن «ناتو» حفظ السلام طوال تلك الفترة، وبالتالي لا بدّ من التمسك به بل تعزيزه.

كلفة التحالف وجدارته

انجرار الحلفاء تحت سقف « ناتو» إلى حروب أفغانستان والعراق، ثم ليبيا، زاد من الأسئلة حول كلفة التحالف وجدارته. انعكس ذلك في قرار العديد من بلدانه التي شاركت في حربي العراق وأفغانستان، سحب قواتها في وقت مبكر أو خفضها إلى حدودها الرمزية.

واكب ذلك، خاصة في السنوات الخمس الأخيرة، هبوط في الموازنات العسكرية الأوروبية. بريطانيا الحليف والشريك المقرب لواشنطن، شطبت 10% من موازنتها الدفاعية خلال هذه الفترة. رئيس الوزراء دافيد كاميرون تعهد أثناء قمة «ناتو» التي عقدت في بلاده العام الماضي، بالعودة في الموازنة العسكرية إلى قاعدة الـ2% من الناتج المحلي. لكنه لم يلتزم. آخر الإحصاءات تفيد أن النسبة بقيت أقل ومرشحة للمزيد من الخفض، بحيث تتراوح بين 1,85% و 1,75% في السنوات المقبلة،. هبوط عبّرت واشنطن علناً عن «قلقها» بشأنه.

وبريطانيا ليست بمفردها، معها على الأقل ست دول أخرى في «ناتو»، قررت خفض ميزانيتها العسكرية على الرغم من التعهدات بعدم الإقدام على مثل هذه الخطوة.

يتردد أن بعض الأوروبيين يتذرع بالضيق المالي وتداعيات أزمة 2008. لكن حقيقة الأمر أعمق من ذلك. يقول هنري كيسنجر في كتابه الأخير «نظام عالمي»، إن أوروبا «قلّصت قدراتها العسكرية بحيث باتت لديها إمكانية محدودة للردّ على التحديات التي قد تتعرض لها الأعراف الدولية».

لا يشرح لماذا فعلت ذلك. لكنه يشير ضمناً إلى أن مثل هذا التقليص جاء استجابة لمقاربتها الجديدة التي تبلورت بعد الحرب الباردة، بخصوص التعامل مع الأزمات عموماً، وخاصة في القارة الأوروبية، والتي ما عادت تعوّل على الدور العسكري بصورة رئيسية.

المأزق الأوروبي

مأزق أوروبا أن ماضيها مثقل بالنزاعات المدمرة. وفي أكثر من مرة خلال القرن الماضي، جاءها الإنقاذ من واشنطن. لذا لا تقوى على التخلي عن علاقة تكفل الوضع الممتاز لهذه الأخيرة. وفي ذات الوقت لا تريد السير على خطى أميركا في التعاطي مع الأزمات. ثمة افتراق في الرؤية قيد التبلور، ولو أن ترجمته على الأرض مازالت بعيدة.