في 8 مارس الجاري، مرت الذكرى الخمسون لدخول واشنطن عملياً في حرب فيتنام، التي تواصلت لمدة عشر سنوات، وكانت كلفتها هائلة ونهايتها هرولة للخروج. بعدها بخمس سنوات، في 5/3 /1970، دخلت المعاهدة الدولية للحدّ من انتشار أسلحة الدمار حيّز التنفيذ. في التجربتين دروس غنية. لكن على الرغم من مرور نصف قرن على الاثنتين، ما زال الفكر الاستراتيجي للكبار أسير عقلية الحرب الباردة.
التجربة الفيتنامية
في أزمة أوكرانيا، يشدد الجمهوريون في الكونغرس على وجوب تسليح حكومة كييف بمعدات عسكرية لـ«الدفاع» عن البلاد. ويتوعدون بإعداد مشاريع قوانين في هذا الخصوص، خلافاً لموقف الإدارة الرافض حتى الآن لهذا التوجه. ويدركون بأن التسليح لن يقوى على الوقوف بوجه الآلة العسكرية الروسية الهائلة. ك
ما يتحدثون عن وجوب تحريك قطاعات عسكرية من «ناتو» إلى دول الحلف المجاورة لروسيا. تجربة فيتنام مع اختلاف ظروفها وزمنها عن أزمة أوكرانيا، بدأت بإرسال خبراء عسكريين. والباقي تاريخ معروف.
اختبار حقيقي
أما على صعيد معاهدة الحدّ من أسلحة الدمار، فإن الذكرى تأتي في لحظة دقيقة تضعها على المحك. لكن الاختبار الحقيقي لهذه المعاهدة ليس فقط في الحدّ من هذا السلاح بل أيضاً في خفضه. وهنا تكمن إشكاليتها الأساسية. فهي ولدت أصلاً عام 1970 معطوبة عندما أجازت الامتياز النووي للكبار من دون التزام بتقليصه .
ليس ذلك فحسب، بل إن أصحاب الامتياز وعدوا الآخرين بتقديم العون لهم في البناء النووي لأغراض مدنية، لكنهم تلكأوا. ومن هنا بدأ التسلل للاستحواذ على النووي. فالبلدان التي وافقت آنذاك على المعاهدة، 59 بالإضافة إلى موسكو وواشنطن وبريطانيا، فعلت من باب عدم وجود خيار آخر لديها. إسرائيل والهند وباكستان رفضت الانضمام لها.
وبعد نفاذ مدتها عام 1995 جدّدت الجمعية العمومية المعاهدة بإجماع 174 دولة . كوريا الشمالية الوحيدة التي انسحبت منها. كانت خطوة واعدة واعترافاً كاسحاً بأهمية دورها في الحد من الأسلحة، ما عدا في الساحات الثلاث الرافضة لها. عزّزها التوقيع السوفياتي – الأميركي على اتفاقية ستارت الأولى عام 1991 ودخولها حيز التنفيذ عام 1994.
بعدها عادت المماطلة إلى هذا الملف ولغاية 2010 حين جرى التوقيع على ستارت 2 وبخفض وازن تقلّصت معه الترسانتان الأميركية والروسية إلى ألف رأس نووي لكل منهما. الرئيس أوباما الذي تحدث عن عالم «خال من النووي»، وعد باتفاقية أخرى يصل معها الخفض إلى 500. لكن الفريق المحافظ رأى في ذلك تفريطا وفرض «تحديث» الترسانة بإنفاق ما يزيد على 300 مليار دولار لهذا الغرض.
وبهذه المناسبة، تقف مسيرة الحدّ من الأسلحة عند نقطة الجمود. في واشنطن يعترض المحافظون على المضي قدماً في الحدّ بذرائع الأمن الاستراتيجي. في موسكو يبدي الرئيس بوتين عزوفه عن العودة إلى طاولة التفاوض بذريعة تدخل الغرب في أوكرانيا.
وحتى الإدارة أبدت الفتور في بيانها الموجز الذي صدر في هذه المناسبة، الذي أغفل أي إشارة إلى إسرائيل النووية، ولو من باب دعوة الدول التي لم تنتسب بعد إلى هذه المعاهدة كي تسارع وتفعل، في وقت تفرض حاجات الأمن والسلام الدوليين، ليس فقط تحصين وتأييد هذه المعاهدة بل أيضاً وأساساً لتفعيلها وتعزيز الالتزام بمنطوقها وبما يضمن الانتقال من مرحلة الحدّ إلى مرحلة التقليص التدريجي الشامل لهذه الأسلحة. البديل استمرار الثقوب في جدار المعاهدة وتهديد صلاحيتها.
