مسألتان من العيار الثقيل على المحك في أوروبا، هما نظام اليورو وخريطة الحدود لدولها الشرقية، كلتاهما أمام تحديات مصيرية فاصلة. مستقبل القارة مرهون إلى حدّ بعيد بنتائج مواجهتهما، لا خيار لها إلاّ استنباط الحلول للتغلب عليهما.

الفشل في ذلك يهدد الاستقرار والسلام في أرجائها. لكن دون ذلك عقبات هائلة، الوقائع العنيدة على الأرض تكاد تسدّ قنوات المخارج والحلول. القارة تبدو وكأنها تقف الآن على عتبة تحولات جديدة، تتراوح بين التصحيح وبين إعادة رسم الخرائط والمعادلات.

من بدايتها كانت أزمة اليونان المالية بمثابة اختبار لقدرة نظام اليورو على تجاوز تحديات تركيبته المعقدة. الآن وصلت إلى نقطة تضع هذا النظام أمام امتحان قدرته على البقاء والتطور. فالبلد على مسافة بسيطة من الإفلاس.

سياسة الترقيع والتقشف عجزت عن انتشاله من حالته الاقتصادية المتردية. الخيارات محدودة: إما التعويم، وهذا مشروط بالمزيد من التقشف المرفوض من الحكومة اليونانية الجديدة، وإما مغادرة اليورو.

الأول جرى اختباره على غير طائل. الثاني عملي لكنه يفتح باب انفراط النظام. تكشف أعطابه العضوية وعلى رأسها أن الوحدة المالية، من غير وحدة القرار السياسي، تبقى عاجزة عن التصدي للأزمات المالية.

ضخ اليورو من جانب البنك المركزي الأوروبي في شرايين الاقتصاد الأوروبي لا يكفي بمفرده، حسب ما يقول الخبراء. ووحدة القرار السياسي تتطلب صيغة وحدوية متعذرة، والآن الكرة في ملعب صناع القرار لابتداع صيغة تعفي من الرجوع إلى الوراء.

لكن مع صعوبة هذا التحدي تبقى معالجته أهون من ما تنطوي عليه أزمة أوكرانيا من مخاطر تهدد بالتمدد إلى الجوار، مع ما تحمله من عدوى تغيير الحدود والخرائط. وثمة خشية من أنها باتت عصية على قلب وقائعها. فهي «الأخطر في أوروبا منذ الحرب الثانية»، حسب توصيف المراقبين.

اتفاق مينسك الثاني لوقف إطلاق النار الذي تمّ التوصل إليه أخيراً بمسعى ألماني - فرنسي، هش في أحسن أحواله. أخذ أكثر من ست عشرة ساعة من التفاوض بين الرؤساء الأربعة، لبلوغ هدنة ضبابية ضعيفة.

شراء الوقت

الرئيس بوتين يريد من خلاله الحيلولة دون تصعيد العقوبات، في ظل تدهور أسعار النفط وقيمة الروبل وحالة الركود الاقتصادي الروسي. العقوبات تزيد من الأذى.

لكنه سعى ليس إلى أكثر من هدنة لا تتعدّى تجميد الأزمة الأوكرانية في حدودها الراهنة وبشروطه. فالاتفاق يقضي ببدء حوار بين المتنازعين حول إجراء انتخابات في المناطق المفترض أن تحظى بالحكم الذاتي، مع مطالبة البرلمان الأوكراني بإصدار قانون يحدّد هذه المناطق.

أي الاعتراف بشبه انفصالها عن السلطة المركزية في كييف وبما يؤسس لاستقلالها لاحقاً. طلب يتضارب مع إصرار كييف على مركزية السلطة وسيادتها فوق كافة الأراضي الأوكرانية. والأوروبيون ارتضوا به على الأقل لشراء الوقت. واشنطن هي الأخرى تدعمه للأسباب ذاتها.

استراتيجية بوتين

الأزمة تأجلت مواجهتها، والرئيس بوتين «يعتمد استراتيجية خوض الحرب من دون إعلانها ليربك الرد عليها» حسب قائد القوات الأميركية في أوروبا. والغرب ليس بيده حيلة غير العقوبات ومحاربة موسكو بالوكالة، عبر كييف. القوات الأوكرانية لا تستطيع هزيمة موسكو. العقوبات الخانقة – حرمان موسكو من نظام التحويلات سويفت – مع التسليح، قد يرفع الكلفة على روسيا.

لكن هذه الأخيرة تهدد باستخدام كل أوراقها. الرئيس بوتين ليس في وارد التراجع. الخيارات أمام الغرب شحيحة ومحفوفة بمخاطر كبيرة. من جديد تعود القارة، التي صنعت الحروب وأسست للنظام العالمي الجديد، إلى دوامة الأزمات الفاصلة.