مجردة من أسلوب صياغتها الأكاديمي الراقي ومن المقدمة التي صاغها الرئيس الأميركي باراك أوباما بنفسه وحملت توقيعه، تبدو «استراتيجية الأمن القومي» لعام 2015 التي صدرت عن البيت الأبيض، أخيراً، أطروحة مألوفة، سبق أن تردّدت نقاطها ومفاصلها الرئيسية أكثر من مرة. وربما لم يكن هناك داعٍ لإعلانها ونشرها، لو لم يكن ذلك خطوة روتينية مطلوبة من الكونغرس. الجديد فيها، إذا صحّ التعبير، هو أن الرئيس الأميركي باراك أوباما ليس في وارد التزحزح عنها خلال المتبقي من رئاسته.
حدّد التقرير التحديات الاستراتيجية للولايات المتحدة بثمانية، على رأسها التهديدات الأمنية التي قد تستهدف الداخل الأميركي، كما مصالح أميركا ورعاياها وحلفاءها في الخارج، مروراً بالأزمات الاقتصادية العالمية المحتملة وانتشار أسلحة الدمار وانتهاء بقضايا المناخ والطاقة والأوبئة ومشكلات الدول الفاشلة. وكما يتضح، تحاشت هذه الاستراتيجية تحديد الأزمات الأمنية، سواء في منطقتنا أو في أوكرانيا.
وإذ يؤكد الرئيس أوباما دور أميركا القيادي الدولي، بحكم قدراتها الاقتصادية والعسكرية المتفوقة التي تجعل منها حاجة ماسة «لا غنى عنها في عالم كثير التعقيد»، إلاّ أنه يسارع إلى التشديد على أن للقوة العسكرية الأميركية «محدوديتها»، إلى جانب أنها لا تشكل الحل لكل مشكلة، كما ليس «بوسع واشنطن أن تملي الحلول، ولا ينبغي أن تتصرف بهذا المنطق لتحديد مسارات الأحداث في العالم».
خلافاً لذلك، هو يعتبر أن قدرات أميركا تجعل منها «قوة لأجل الخير» وتقوم بدور يكون بمثابة «القدوة والمثال» في ممارسة الحكم المرتكز على القانون، ومن هذا المنطلق هو يدعو الآخرين للتحلي «بالصبر والمثابرة».
واستطراداً ليس بمطالبته بالتدخل، نسي الرئيس أو تناسى أنه هو من لوّح بكل الأوراق في أكثر من أزمة ثم تراجع، وأن مثل ذلك التراجع ساهم في استفحال أزمات المنطقة المتداخلة.
انطلاقاً من هذا التوجه، يشير التقرير إلى ثلاثة معايير تحكم استراتيجية الإدارة: أولها توازن الأولويات الخارجية الأميركية، بحيث لا تعطى الأفضلية لأزمة أو منطقة بعينها. إشارة غير مباشرة إلى أن الشرق الأوسط لم يعد يحتل المكانة التي كانت له فيما سبق وبالمعادلة التي حكمتها.
الرئيس لا يخفي انتقال تركيزه على جنوب شرق آسيا وضرورة منح هذه المنطقة المزيد من الأهمية والحضور العسكري البحري فيها. تأتي في الدرجة الثانية ضرورة تنويع السياسة الأميركية، بحيث «لا تدور حول تهديد واحد». وينطلق هذا التصور من معطى أن التحديات والاهتمامات تغيرت...
ولم تعد كما كانت في زمن الحرب الباردة، حيث «كان التهديد في حينه وجودياً في حين ليس كذلك اليوم» كما تقول سوزان رايس مستشارة الرئيس لشؤون الأمن القومي. المعيار الثالث يتمثل في التركيز على مبدأ الشراكة والتحالفات التي يرى البيت الأبيض أنها من لزوميات مواجهة الأزمات والتحديات الراهنة.
ومن هنا لم يكن من غير مغزى أن يكتفي التقرير الاستراتيجي بمرور الكرام على أزمات المنطقة وفروعها المتشابكة، بحيث لم تكن حصتها أكثر من عدة صفحات، حظيت المفاوضات مع إيران بمعظمها، ونال العراق بعض التنويه. والباقي مرّ ذكره بإشارة عابرة. فالرئيس الأميركي يرى أن «الاستقرار بعيد المدى في الشرق الأوسط يتطلب أكثر من استخدام وحضور القوة العسكرية الأميركية. يتطلب شركاء بوسعهم الدفاع عن أنفسهم».
التقرير الذي لم يأت بغير التسويغ لاستراتيجية معروفة مع التأكيد على الاستمرار فيها، نال نصيبه من الانتقادات من جانب المحافظين في الكونغرس وخارجه. ولم يحظ بالإشادة حتى من جانب الأوساط المتعاطفة معه. بل أيضاً أخذ نصيبه من الانتقادات من جانب العارفين بالشؤون الاستراتيجية، خصوصاً العسكريين. الجنرال المتقاعد مايكل فلين رئيس المخابرات العسكرية السابق، وصف استراتيجية الرئيس بأنها «غير كافية بل تعكس حالة من الحيرة والارتباك».
الاستراتيجية رسالة واضحة، ولو غير جديدة، برسم المنطقة.
