تقف واشنطن ومعها «الناتو» على حافة قرار يتراوح بين المجازفة الأمنية في أوروبا الشرقية، وبين تعزيز خيار المفاوضات في أوكرانيا. الخلفية والمعطيات الميدانية ترجح الأولىن، فالأزمة تفاقمت نتيجة سياسات غير واقعية ورغبة جامحة في تصفية حسابات مفتوحة على منازلة تنطوي على مخاطر جمّة.

وبذلك وصلت إلى محطة بات التراجع معها متعذراً، على الأقل الآن، بحيث باتت تبدو محكومة بالتصعيد. إدارة أوباما التي رفضت تزويد القوات الأوكرانية بأسلحة «فتاكة»، ألمحت إلى أنها ربما تعيد النظر في موقفها، إن لم يكن لجهة مدّ أوكرانيا بأسلحة هجومية، فعلى الأقل بأسلحة دفاعية فعالة تبيّن لموسكو أن دعمها للانفصاليين «سيكون مكلفاً».

تقرير مشترك

حول هذا الخيار صدر في الثاني من فبراير الجاري تقرير مشترك عن ثلاثة مراكز أميركية للدراسات والأبحاث، ساهم في وضعه عدد من كبار المسؤولين والسفراء والعسكريين المتقاعدين، يدعو إلى تزويد أوكرانيا بـ«أسلحة دفاعية» بقيمة ثلاثة مليارات دولار، وتشمل صواريخ مضادة للدروع وطائرات «درون» وناقلات جنود مصفحة ورادارات تحدد مصادر النيران المعادية وغيرها.

وجبة سلاح متطور «تعزز قوة الردع الأوكراني» في وجه التعزيزات الروسية للانفصاليين التي شملت في الآونة الأخيرة «دبابات وأنظمة صاروخية ومدفعية وعربات مصفحة ومعدات متطورة للاتصال والتواصل»، حسب المصادر الأميركية؛ ساهمت في تمكين القوات الانفصالية من توسيع مساحة المنطقة التي تسيطر عليها في شرق البلاد.

التصدي لهذا التسليح بتسليح مضاد، يفيد التقرير، من شأنه «أن يؤدي إلى إعاقة الدعم الروسي للانفصاليين، وبالتالي وقف تمددهم في شرق أوكرانيا». ويبدو أن هذا التوجه بات يحظى بدعم البنتاغون وحلف «الناتو».

في هذا الإطار زار وزير الخارجية الأميركي جون كيري كييف، أخيراً، وبحث الأزمة الأوكرانية وإمكانية توفير مثل هذه الأسلحة للقوات الأوكرانية. ويزعم المروجون لهذا الخيار أن الوسائل الأخرى فشلت حتى الآن في حمل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على لجم اندفاعه في أوكرانيا. العقوبات، مع تهاوي أسعار النفط، تسببت بدفع الوضع الاقتصادي الروسي نحو الركود. والروبل هبطت قيمته بنسبة الثلث.

ومع ذلك لم تتزحزح موسكو عن موقفها إزاء الوضع الأوكراني. بل صعّدت من وتيرته، لذلك، يزعم أصحاب خيار التسليح أنه صار لا بدّ من تعزيز قدرات القوات الأوكرانية، علّ ذلك يرفع من ثمن التشدد الروسي، وبما يحمل موسكو على العودة إلى التراجع عن خيار التصعيد لصالح التفاوض الجاد.

خطأ الغرب

خطأ الغرب أنه بعد الحرب الباردة تمادى في اقتحام الجوار الروسي من خلال توسيع «ناتــو» من دون مبرر وجيه. والآن يعمل من أزمة أوكرانيا مشكلة سيادية وموسكو هي المتهم فيها. في ظاهر الحال، تبدو الأمور كذلك. لكنها ليست لبّ المشكلة.

ولذلك كان حرياً بالجانب الغربي أن يرمي بثقله من الأســـاس للعثور على مخرج سياسي لأزمة أوكرانيا مرفقاً بضمانات وتأكيدات بأن تبقى هذه الأخيرة خارج «الناتو» نهائياً. الآن كــبرت المشكلة وتعقدت وصار التـــراجع متعذراً. لكن اللجوء إلى التسليح من شأنه أن يصب الزيت على النار. وهنا مخاوف أوباما في محلها. وفي المقابل فإن إصرار موسكو على الإمعان في التصـــعيد قد يتسبب في رفع منسوب الانزلاق إلى توسيع دائرة المواجهة، بحيث تبقى مفتوحة على المجهول.

فرص التسوية تتضاءل بسرعة. وحده تهيّب العــــواقب من الجــــانبين يمكّن من التقاط ما تبــــقى منها قبل فوات الأوان.