خلال زيارة الرئيس أوباما الأخيرة إلى نيودلهي، نسب إلى السفير الهندي السابق في واشنطن قوله إن رئيس الحكومة الهندية ناراندرا مودي خَلُص إلى نتيجة مفادها أن الولايات المتحدة ليست فقط شريكة استراتيجية للهند، بل أيضاً هي شريكتها الرئيسية الاستراتيجية في العالم.
كلام جديد قيل إن الوفد الأميركي «فوجئ» به من ناحية العلاقة التي تسعى إليها نيودلهي مع واشنطن، كما لناحية طموحها في تعزيز حضورها الاستراتيجي على المسرح الدولي.
تطلع كان من الناحيتين غير متوقع. فواشنطن طالما سعت إلى صياغة علاقة تحالف ما مع الهند، لسلخها عن موسكو من جهة، كما لموازنة الصعود الصيني الملحوظ بها من جهة أخرى. لكنها لم تفلح في السابق، فقد نأت الهند عن مثل هذا التوجه.
اختارت الاحتفاظ بموقعها المستقل في الشؤون الدولية. ربما لأنها ما زالت متأثرة بخط «عدم الانحياز» الذي بادرت إلى تأسيسه وبناء كتلته الدولية في خضم الحرب الباردة. بقيت على هذا الحياد، برغم أن علاقاتها مع الصين غير ودية بسبب تقارب هذه الأخيرة مع خصمها الباكستاني.
كما أبقت على مصالحها مع موسكو، خاصة على مستوى التسليح. فحتى الآن فإن ما نسبته 60% من ترسانتها العسكرية روسية الصنع. وفي زيارته إلى نيودلهي في ديسمبر الماضي، عقد الرئيس بوتين صفقات مع الهند بقيمة مئة مليار دولار، تعادل قيمة التبادل التجاري الأميركي الهندي.
لكن الموقف الهندي تغير فجأة مع مجيء مودي. على الأقل بالنسبة للشق الصيني منه. ما أبداه رئيس الحكومة الهندية تجاه «تصاعد المد الصيني في المنطقة» لا يبتعد عن النظرة الأميركية. فهو وافق على إصدار بيان مشترك مع الرئيس أوباما، يأخذ على بكين ممارسة سياسة الاستفزاز تجاه جيرانها في بحر الصين الجنوبي.
بل أكثر من ذلك، دعا مودي إلى إحياء التحالف الأمني الرباعي الذي جرى نسجه عام 2007 والذي ضم الهند والولايات المتحدة واليابان وأستراليا، لكنه لم يصمد. وكان الغرض من إقامته لجم النفوذ الصيني في جنوب شرق آسيا.
مبادرة مودي لتجديده، تعكس ليس فقط ارتيابه بالصعود الصيني، بل أيضاً استعداده للمشاركة في التصدي «لتمدده الاستراتيجي» في المحيط الآسيوي. بل يعكس كذلك الطموح الهندي في حضور مقابل كقوة صاعدة في القارة الآسيوية، من مدخل الشريك الاستراتيجي للولايات المتحدة، وبما يؤمن للهند لعب دور في تقليم الهيمنة الصينية.
إن انعطاف الهند في هذا الاتجاه، وطموحها في الانتقال من الموقع التقليدي المستقل إلى موقع الشراكة الاستراتيجية مع واشنطن، من شأنه أن يؤسس لمعادلة جديدة في الساحتين الآسيوية والدولية، وبما يفرض إعادة النظر في الحسابات والسياسات المعنية بهذا التحول.
فالهند قوة نووية وتمتلك الطاقة لنهوض اقتصادي وازن ظهرت إرهاصاته الأولى في السنوات الأخيرة. ورئيس الحكومة الجديد لم يخف رغبته في «تعزيز الدور الهندي في الجوار الآسيوي».
انزعاج صيني
كما أعرب مودي عن نيته تعزيز دور الهند في منتدى التعاون الاقتصادي لدول حوض الباسفيك الآسيوية. والانزعاج الصيني من هذه الأجواء نطقت به بعض الردود الصينية الرسمية، التي حاولت التقليل من أهمية زيارة أوباما،.
مقاربة يعتمدها البيت الأبيض في الشرق الأوسط، ويصر على الاستمرار بها برغم التعثر والفشل. لكن حظها في الشرق الأقصى أفضل. فالقيادة الهندية لها في هذه النقلة مصلحة مضاعفة: التأسيس لمزاحمة التنين في منطقة على طريقها لتصبح نقطة الثقل الاقتصادي الدولي والاستقواء بقوة عظمى في سعيها إلى الصعود الإقليمي والدولي. تقاطعت مصالح الجانبين لتشكل بداية جديدة في توازنات الكبار.
