أثناء زيارته الأخيرة لواشنطن، سئل رئيس الحكومة البريطانية دفيد كاميرون عما «إذا كانت هناك استراتيجية متماسكة وقائمة على التنسيق» بين الحلفاء لمواجهة المدّ الإرهابي المتعاظم في الوقت الراهن. فجاءت إجابته بصيغة ملتوية على طريقة نعم.. ولكن.
يعني هناك توافق على الإطار العام، لكن ذلك لا يكفي. والدليل أن «الناس يشعرون بالقلق» ويعود ذلك إلى خلل في التصدّي. مضيفاً: «ما زال في سوريا نظام وحشي وعلينا دعم المعتدلين لمواجهة الإرهاب والنظام معاً، وربما يعود أيضاً إلى وجود قصور في العمل سوياً من أجل التخلص من هذا التهديد».
استخدام كاميرون لعبارتي «معاً» و «سوياً»، يؤشر إلى خلاف استراتيجي مع إدارة اوباما حول سوريا كما حول كيفية التصدي لخطر الهجمة الارهابية. وربما كان ذلك محور جدول أعمال زيارته التي جاءت كمحاولة لحمل الإدارة على تغيير مقاربتها لأزمة المنطقة في ضوء العملية الإرهابية في باريس. لكن ليس هناك ما يشير إلى نجاح مسعاه.
حسابات إقليمية
مطالبة رئيس الحكومة كاميرون بوجوب التصدي المتزامن للنظام السوري و«داعش» في آن، تصطدم وجهاً لوجه مع سياسة الإدارة. المواجهة مع النظام السوري غير واردة في حسابات أوباما. على الأقل حتى الآن. «ما زال موقفنا من سوريا على حاله»، بحسب ما تقول الخارجية الأميركية.
والمواجهة مع «داعش» لا تتطلب مواجهة مع النظام السوري، بحسب ما ترى. وهي تتمسك بفصلها عنه. وتعلل ذلك بأن النظام شأن آخر. مع أن الاعتقاد السائد في صفوف الخبراء والعسكريين أن الفصل لا يستقيم.
وقد ثبت بالتجربة. فبعد خمسة أشهر من القصف الجوي والمطاردة، ما زالت «داعش» تحتفظ بمواقعها في سوريا. بل مدّدت رقعة نفوذها. الإدارة تدرك ذلك من البداية. لكن حساباتها الإقليمية المتعلقة بترتيبات مرتقبة تأمل في بلوغها، فرضت تحييد النظام السوري.
الآن بعدما وصل الإرهاب إلى أوروبا وبات يهدد بمزيد من التفجيرات في الخارج، ساد الاعتقاد، حتى في واشنطن، بأن من شأن هذا التطور أن يحمل البيت الأبيض على مراجعة استراتيجيته، ليس فقط تجاه النظام السوري بل أيضاً إزاء مقاربته للإرهاب وصيغة التصدي له. فما وقع في باريس ثم في بلجيكا، يؤشر إلى أن المجموعات المتطرفة بدأت بنقل معركتها إلى الخارج بهدفين: تزخيم حملات التجنيد التي تقوم بها لتعزيز قوتها الميدانية.
وثانياً توسيع دائرة الصراع بإشعال نار الاشتباك بين المسلمين في المهجر وبلدان هذا الأخير. وهذا لم يكن ليتيسّر لها إلاّ لأنها تتمتع بوضع ميداني غير ضاغط عليها. بل مستقر في معظم الحالات. الأمر الذي يتطلب إبطال هذه المعادلة من أساسها.
لكن هذا الاعتقاد لم يكن في محله. أوباما لا يعتزم تغيير موقفه، وهو متمسك باستراتيجيته كما هي. بدا ذلك بوضوح عندما تغيّب عن تظاهرة التضامن في باريس. الاعتراف لاحقاً بأن الغياب عنها كان غلطة، لا يعني أنه يعكس تغييراً في السياسة المعمول بها. فالإدارة تتمسك بخطابها المختلف عن الخطاب الأوروبي، سواء فيما يتعلق بتعريف مجموعات الارهاب أو بالموقف من النظام السوري. وها هي سارعت في الأيام الأخيرة إلى احتضان التحريك الروسي لمشروع تفاوض جديد بين النظام والمعارضة. بل هي تشجع هذه الأخيرة على المشاركة في هذا المسعى.
استراتيجية ملتبسة
مجيء كاميرون إلى واشنطن كان لغرض أبعد من التشاور. كان لبحث التعارض بين رؤيتين واستراتيجيتين. عزوف الرئيس أوباما خاصة بعد عملية باريس، أثار الكثير من الاعتراضات بل القلق. ويأخذ وزير الدفاع السابق ليون بانيتا على أوباما افتقاده لمزايا القيادة.
