كشفت معلومات نشرها أخيراً، موقع أحد مراكز الأبحاث الأميركية البارزة، أن كوريا الشمالية قد «أحرزت تقدماً في العمل على تزويد غواصاتها – تملك أسطولاً من 48 غواصة تعمل بالديزل – بمنصات لإطلاق الصواريخ كروز أو بالستية من على متنها». تطور جديد في طريقه إلى الدخول على معادلة القوى البحرية في المنطقة وتوازناتها القائمة.
ومع أنه لم يبلغ بعد طور الواقع الميداني على الأرض، وأنه مازال على مسافة غير قصيرة من هذه النقطة، إلا أن التوجه الكوري في هذا الخصوص يبدو على درجة من الجدية..
بحيث حمل صحيفة بوزن «نيويورك تايمز» على إعطاء الموضوع مساحة ملحوظة تشير إلى مدى القلق الذي أثاره في واشنطن، خصوصاً وأن هذا التطور يتم الكشف عنه في الوقت نفسه الذي اتهمت فيه الدوائر الأمنية الأميركية كوريا الشمالية أخيراً، بالقيام بعملية قرصنة إلكترونية على استوديوهات سوني السينمائية الأميركية.
امتلاك بيونغ يانغ قدرة هجومية إلكترونية من هذا العيار، إلى جانب المعلومات عن تطوير قدراتها لتسليح غواصاتها بمنصات صاروخية؛ طرح تحديات جديدة أمام واشنطن، ولو أن توازن القوى في تلك المنطقة مازالت كفته راجحة بقوة لصالحها.
صعود استراتيجي
الصعود الاستراتيجي الكوري الشمالي، على تواضعه الراهن، مربك في للأطراف كلها في جنوب شرق آسيا. حتى الصين يزداد انزعاجها من توجهات الجار المحسوب عليها، كما يتردد في واشنطن. والتطور الأخير يزيد من عدم الارتياح لما يشكله من محاولة للقفز إلى قطار الكبار في المنطقة التي يرى الأميركيون أنها في طريقها لتكون مركز الثقل الاقتصادي والاستراتيجي العالمي.
المعلومات المبنية على صور التقطتها الأقمار الاصطناعية كشفت، حسب ما جاء في الموقع، عن حصول تجارب على «تمديدات جرى إضافتها إلى غواصة أو اثنتين لغرض استخدامها على الأرجح، كمحطة إطلاق صاروخية من تحت الماء».
والمعلوم أن القدرات الصاروخية المحمولة على متن الغواصات هي الأخطر في هذا السلاح، لكونها متحركة ويصعب تحديد مواقعها خلافاً للقواعد الصاروخية الأرضية الثابتة التي يسهل استهدافها. وما استوقف أيضاً في هذا التطور أنه جاء خلافاً لما هو معروف عن الإمكانات الكورية الشمالية المتواضعة في مجال تكنولوجيا هذا النوع من الصواريخ.
ولو أن التكنولوجيا التي تملكها في هذا المجال ما زالت متخلفة وبقدرة محدودة لبناء صاروخ «يعمل بالوقود السائلة ويطلق من غواصة إلى مدى يصل لحدود 900 ميل». ومع ذلك مازال هذا السعي يلزمه وقت عدا عن كلفته العالية «ومن دون ضمانة لنجاح مشروعه».
على الرغم من ذلك يبقى الحذر قائماً، لأن هذا التوجه يأتي في سياق نقلة نوعية تحققها كوريا الشمالية أخيراً، «لتعزيز قدراتها العسكرية». فقد تمكنت حسب مصادر حكومة كوريا الجنوبية، من تحقيق تقدم «مهم في مجال تطوير رأس نووي صغير يتناسب مع صاروخ يمكنه الوصول إلى شواطئ أميركا الغربية».
تقدير مبالغ فيه في ضوء المعلومات عن الصناعة الصاروخية الكورية الشمالية. والمبالغة تنطلق من خلفية سياسية ومن تخوف من مغامرات بيونع يانغ التي تتقن التهويل والابتزاز الذي اعتادت ممارسته، بل ترجمته على الأرض بين الحين والآخر.
اهتزاز الاستقرار
كوريا الشمالية قادرة على تعريض الاستقرار في المنطقة الآسيوية المتفاقمة حساسياتها، للاهتزاز. أثبتت ذلك أكثر من مرة. وما يزيد من خطورة نهجها هذا، أنها اجتازت العتبة النووية، ولو من غير تكنولوجيا قادرة على التهديد بهذه القوة الاستراتيجية عن بعد. ومن هنا القلق من محاولة ولوجها باب الصواريخ المتجولة في غواصات وبناء القدرة على استخدامها من هذا الموقع..
وإن كانت المحاولة مازالت متواضعة وفي بداياتها وبقدرات ضعيفة. فهذا لا يمنع وصولها إلى مستوى من الإمكانية في هذا المجال. تماماً كما توصلت إلى النووي الذي تعمل على تطويره بعد مسيرة طويلة ومتعثرة لكنها أدخلتها بالنهاية ولو بصورة هامشية، في النادي النووي.
امتهنت كوريا الشمالية المشاكسة. هي تعرف أن إمكاناتها لا تسمح لها بمجاراة القوى الوازنة. حتى لو حققت اختراقات في إنتاج أسلحة معينة. لكنها تعرف أيضاً من التجربة أنها صناعة قابلة للابتزاز والاستمرار، وإن كانت سيفاً بحدين.
