الكونغرس الجديد الذي تسلم مهامه أوائل يناير الجاري هو حديث الساعة في واشنطن، ليس فقط لأن الحزب الجمهوري يسيطر على الأغلبية في مجلسيه، الشيوخ والنواب، بل أيضاً لأنه قادم بأجندة متشددة وبذهنية تصفية حسابات سياسية، على الصعيدين الداخلي والخارجي. وقد تكون لتوجهات المحافظين هذه آثارها البعيدة، لو تحقق لها إحداث الانقلابات التي تدعو إليها، خاصة في العلاقات الأميركية – الروسية.
خروقات في المعاهدة
يأخذ المحافظون على سياسة الرئيس أوباما أنها متراخية إزاء موسكو وممارساتها المنفلتة، ليس فقط بالنسبة لأوكرانيا، بل أيضاً في مجال مخالفاتها، كما تزعم واشنطن، لمعاهدات مشتركة تتعلق بالسلاح النووي ومنظوماته الصاروخية وقواعدها الأرضية. فواشنطن تدّعي أن روسيا ارتكبت خروقات عدة لمعاهدة 1987 التي تحظر نصب صواريخ يتراوح مداها بين 300 ميل و3400 ميل..
والمزودة برؤوس نووية أو برؤوس من المتفجرات التقليدية. وبموجبها تمّ آنذاك تدمير حوالي 850 من هذه الصواريخ الأميركية، وأكثر من ضعفها لدى الجانب السوفييتي، كما تمّ الالتزام بمنع إنتاجها وإجراء التجارب عليها ووضعها في الخدمة، بعد ذلك التاريخ.
مع ذلك يقول الأميركيون إن موسكو دأبت على انتهاك هذه الاتفاقية منذ 2008. مخالفات واجهتها روسيا بالإنكار وردت التهمة بالمثل، زاعمة أن الجانب الأميركي هو الذي ارتكب مخالفة الاتفاقية، الأمر الذي أنكرته واشنطن وأضافت متهمة موسكو بأنها انتهكت معاهدات عسكرية أخرى.
في ظلّ هذا التأزم، سبق ودعا فريق في الكونغرس إلى المزيد من التشدد مع موسكو وطرح الانسحاب من الاتفاقيات النووية خاصة معاهدة 1987، كرد على الخروقات الروسية لها.
هذه الدعوة، تحظى الآن في الكونغرس الجديد، بالمزيد من التعاطف والاحتضان، الأمر الذي أثار خشية أوساط وجهات أميركية ترى أن هذه المعاهدات لعبت دور صمام الأمان على مدى حوالي ثلاثة عقود، للحدّ من انتشار أسلحة الدمار ..
كما لتحجيم الترسانة النووية لدى الكبيرين، من دونها ينفتح باب العودة إلى «نصب المنظومات الصاروخية» داخل وخارج الأراضي الروسية والأميركية، وخاصة في المسرح الأوروبي الملتهبة بعض أطرافه بسبب الأزمة الأوكرانية..
والتي قد يمتد لهيبها إلى خارج تخومها. بذلك تدفع الرؤوس الحامية في الكونغرس باتجاه العودة إلى زمن الحرب الباردة وسباق التسلح. تستسهل الرد بالتصعيد وتشن حملة تهويش واسعة ضد موسكو، مع أنه: «لا دليل حتى الآن على أن روسيا قد قامت بنشر صواريخ محظورة بموجب معاهدة 1987»، حسب ما تدعي المصادر الأميركية. هناك شكوك بانتهاكات لبعض جوانبها.
قد تكون على مستوى إنتاج، أو المباشرة بإنتاج هذه الصواريخ. لكن لا خروج فاضحاً وتاماً على المعاهدة، حتى الآن. ولهذا ما يفسره وليس بالضرورة ما يبرره. فالرئيس بوتين يردّ برأس ساخن هو الآخر، على ما يحسبه في منزلة الاستفزاز الذي تواصل عبر عملية التوسيع التي جرت لحلف «الناتو»..
والتي بدت كمحاولة لتطويق روسيا من الجانب الأوروبي. وهو يبدو غير متردّد في لعب أوراق التحدّي التي يملكها كافة. وربما منها عدم الالتزام الكامل بالمعاهدات النووية. الدعوة في الكونغرس للانسحاب من المعاهدات النووية، من شأنها أن تزيد الطين بلّة .
وكان من المتوقع أن تكون المحادثات في هذا الخصوص قد قطعت شوطاً مهماً أو شارفت على الإنجاز بحلول هذا العام. لكن موسكو لم تكن متحمسة لمثل هذا المشروع، بعد تزايد التوتر بينها وبين واشنطن.
وضع التوجه السائد في الكونغرس الجديد، إزاء العلاقات النووية الأميركية الروسية من شأنه نسف مثل هذا الطموح وتأخير ترجمته لسنوات، مع كل ما ينطوي عليه ذلك من مخاطر في هذا المجال الذي لا يحتمل المزيد من التأزم.
