في كلمة له قبل أيام أمام جنود قاعدة بحرية في ولاية هاواي، حيث يقضي إجازة الأعياد، قال الرئيس أوباما إن العالم في الوقت الراهن ينعم بوضع أفضل من الأمن والسلام والازدهار !
ما يستوقف هو أن يصدر مثل هذا التوصيف عن رئيس الولايات المتحدة، وفي هذا الوقت بالذات. وبالتحديد عن أوباما، الذي لا تنقصه الفطنة والمفترض أن يدرك بأن واقع الحال غير ذلك. إذا لم يكن على النقيض. بالتأكيد أن ما نطق به أوباما ليس زلّة لسان. خاصة وأنه لم يتراجع عنه ولا سارع إلى تصحيحه. فهو دقيق جداً وحريص على اختيار مفرداته ومقتدر في التعبير عن أفكاره.
وبذلك يبدو تقويمه هذا للوضع الدولي إشارة مقصودة تحتمل على الأرجح واحداً من تفسيرين : إما أن الرئيس يعيش في عالم آخر يتوق إليه ومصرّ على البقاء فيه، وبالتالي هو معزول عما هو قائم على الأرض في اكثر من منطقة وقارة. وإما أنه أراد التأكيد على استراتيجيته الخارجية وارتياحه إليها، بل اعتزامه التمسك بها حتى النهاية، طالما أنها وفرت حرباً أخرى أصبح العالم بدونها، على ما يرى، وافر الأمن والسلام والازدهار. وكأنه لا يهمّ ما انتهت أو قد تنتهي إليه نتائج مثل هذه المقاربة في بعض الحالات.
الواقع، ان قراءة أوباما هذه للوضع الدولي الراهن، هي مزيج من التفسيرين. فمن الأصل هو صاحب مقاربة أكاديمية للعلاقات الدولية، تقوم على خيار الحوار والتسوية لحلّ الأزمات والخلافات. ولا غبار على ذلك. بل هي مقاربة جديرة بالتقدير من حيث المبدأ. لكن عندما نزل هذا التوجه إلى التطبيق، تعثرت ترجمته. الوقائع العنيدة على الأرض لا ترحم. فكان أن اصطدم اوباما الأكاديمي المثقف بأوباما رئيس الدولة العظمى المهيمنة. فلا الأول صمد على رؤيته الأصلية.
ولا الثاني تصرف كما توقع منه الآخرون في أزمات معينة. فكانت الحصيلة خلطة من خطاب كبير وفعل ضحل. الأمر الذي تجلّى في الكثير من التردد والتراجع ،الذي جرّه إلى مساومات ومشاريع صفقات على حساب الأطراف المنكوبة، كما حصل ويحصل في الأزمة العراقية وأيضاً السورية. أو جرّه إلى السكوت كما في الأزمة الفلسطينية. وبذلك انتهت استراتيجيته إلى التعاطي مع الأزمات بقاعدة كل يوم بيومه وبما يمكّن أميركا من التعايش معها.
بل ربما تحقيق مكاسب استراتيجية من التعامل معها بهذا الشكل. خاصة في منطقتنا، التي يسود الاعتقاد في واشنطن بأن أزماتها المتداخلة مديدة وعالية الكلفة، مع ما ينطوي عليه ذلك من احتمالات بلوغ التفكيك الجاري مرحلة التغيير في الخرائط. ومنذ فترة، لا تخفي دوائر اميركية دعمها لهذ الخيار في غير ساحة عربية. بل أنها دعت وشجعت إليه بزعم أن الأمور تندفع في هذا الاتجاه ولا قدرة على التحكم بها وتغيير وجهتها.
يعني ذلك ضمناً، أن من مصلحة واشنطن « رعاية » إعادة ترسيم المنطقة من دون الانخراط الميداني في معضلاتها. وصفة تلقى آذاناً صاغية في مطبخ القرار الأميركي، طالما انه لا تترتب عليها التزامات عسكرية كبيرة، باستثناء المشاركة في عمليات جوية فرضتها غزوات «داعش »، حيث لم يكن بالإمكان مراقبتها عن بعد. كان لا بدّ من لجمها لدرء اخطارها. لكن ذلك يحصل في سياق التعاطي مع وضع مفكك وليس في سياق معالجة هذا الوضع والعمل على استعادته لتماسكه السابق. وثمة جوانب كثيرة في سياسة واشنطن تعزز هذه القراءة.
فلماذا مقاتلة « داعش » قد تتطلب ثلاث سنوات كما تقول إدارة أوباما ؟ لماذا كل هذه المدة لمواجهة تنظيم موجود في رقعة جغرافية محددة ،ولا يملك سوى شبه جيش من 30 ألف مقاتل في اقصى التقديرات ؟ ولماذا الحديث الأميركي عن أن إعادة تأهيل القوات العراقية يلزمها ثلاث سنوات أيضاً لتصبح قادرة على استرجاع الأراضي، في حين يعرف القاصي والداني أن ذلك لا يتحقق من دون سدّ الهوة بين الشيعة والسنة والأكراد بحل سياسي تام، غير مسموح به إقليمياً ؟ وواشنطن تدرك ذلك ،ولا تسعى سوى إلى وضع حدود لهذا الدور الإقليمي. بل هي تتعاون معه بصيغة أو بأخرى ولو بصورة غير مباشرة. بالأمس قال الرئيس أوباما إنه لا مشكلة مع طهران غير النووي. الرسالة واضحة: بعد النووي تصبح الأبواب مفتوحة بين العاصمتين.
يبدو أن الرئيس أوباما يتحدث عن عالم آمن بعد أن حذف المنطقة العربية منه. كما يبدو أنه يختصر أمن هذه الأخيرة بصفقة النووي وما قد يبنى عليها من ترتيبات.
