كوبا ليست بحجم ووزن وأهمية الصين. ولا إعلان واشنطن بإعادة العلاقات معها يوازي زيارة نيكسون إلى بكين. مع ذلك، جاءت الخبطة الدبلوماسية التي قام بها الرئيس أوباما، من صنف خطوة عام 1972 التي مدّت الجسور مع الصين. ليست من العيار والثقل والآثار ذاتها. لكنها من النوعية نفسها لناحية كسر الممنوع والمحظور وفي اللحظة المناسبة.
كذلك جاء سعي وتجاوب هافانا ليؤشرا إلى فجر بيروسترويكا وغلاسنوت، قادمين إلى كوبا ولو ببطء وربما مع كثير من التعثر والإحباط والتشبث بالموروث، لكن الرغبة بالانعطاف لا تصعب رؤيتها.
تحول استراتيجي
بذلك فإن ما حصل يندرج في خانة التحول الاستراتيجي من الجانبين. التنازل مشترك. والخيار انطوى على توجه جديد، نتيجة تسليم ضمني بأن استمرار الحال على ما هي عليه ليس سوى مكابرة عبثية لا تخدم مصلحة احد ولا بدّ من مغادرتها.
الظروف تجاوزتها والحاجات المشتركة لم تعد تتقبلها. ولا شك أن وجود أوباما وراؤول كاسترو ساهم في التلاقي. الأول جاء وعلى رأس أجندته أن يطوي صفحة الحروب الساخنة والباردة.
وكاسترو الثاني كشف عن براغماتية ادركت أن ما قبل جدار برلين انتهى زمانه وبالتالي مفعوله وبما يتوجب على كوبا نفض غباره عنها. فكان الانجاز المفاجئ بعد اشهر من الاتصالات السرية التي ساهمت فيها كندا كما الفاتيكان.
أثار هذا الاختراق غضب المحافظين الجدد ويمين الحزب الجمهوري. توعدوا بالتخريب عليه بعد تسلم الكونغرس الجديد لمهامه في يناير المقبل. تعهدوا بعدم الموافقة على تعيين سفير أميركي في هافانا وبتقليص المخصصات المالية للسفارة الجديدة.
زعموا أن فتح الأبواب مع كوبا يأتي بمثابة «مكافأة» لها و«إنقاذ لنظام كاسترو المتهالك». حيثيات تحريضية تعكس شدة غيظهم، ليس لأن الخطوة في غير محلها بل لأن أوباما قام بها. لم يتحمّلوا أن تحسب له نقلة بهذا الحجم ويتم تجييرها إلى إرثه.
خاصة وأنها جاءت في اعقاب خسارته لانتخابات الكونغرس وقبل انعقاد دورته الجديدة. فهو من وجهة نظرهم استعجلها لتسجيل هدف كبير ضدهم، جاء بمثابة انتقام من سياسة الانتقام التي يتبناها اليمين وقلة من الديمقراطيين – من أصول كوبية معادية لكاسترو – تجاه كوبا.
وما زاد من غضب هذا الفريق السياسي والإعلامي الذي ما زال يعمل بذهنية الحرب الباردة، أن إعادة العلاقات مع كوبا يحرمه من خصم بحيث لم يبق له سوى كوريا الشمالية كمادة لخطابه التقليدي الذي يعود إلى الفترة السوفييتية. ولو أن كوريا تقوم بما يكفي من الاستفزاز الدوري لضمان استمرار النقمة عليها، كما فعلت أخيرا في عملية القرصنة الإلكترونية التي مارستها ضد شركة انتاج سينمائي اميركية.
لكن خارج ردود هذا الفريق، حظي التوافق بين الإدارة وهافانا بدعم وتأييد واسعين، على سائر المستويات السياسية والإعلامية والاقتصادية والشعبية الأميركية. ليس من باب التعاطف وضرورة إعادة النظر في مقاطعة ساهمت في إفقار كوبا، لكن من باب الاعتراف بأن هذه السياسة الانتقامية فشلت في إجبار النظام على إحداث تغييرات في توجهاته وسياساته وبما بات يفرض البحث عن البديل.
صفقة رئاسية
الرئيس اوباما كان بحاجة، في هذه المحطة من رئاسته، إلى صفقة من هذا النوع. مراهناته الخارجية انتهت كلها إلى خيبة أمل. ما أن أنهى حرب العراق حتى عاد إليها ولو بصورة جزئية. حرب أفغانستان التي تعهد بإقفالها، قد يغادر البيت الأبيض قبل أن يكتمل الانسحاب الأميركي منها.
هو من البداية يميل إلى تصحيح العلاقات مع كوبا ووضع حدّ للحرب الباردة معها والتي فقدت أي مسوّغ لها. استراتيجية تحولت إلى عملية انتقام ومحاولة تركيع.
تعبير فاقع عن التمادي المتوارث في ممارسة فائض القوة، بلا غاية ولا جدوى. وفي الضفة المقابلة، بدا أن هناك نضوجا براغماتيا قد حصل لتصحيح المسار الذي حوّلته الايديولوجيا إلى صنمية لا غرض لها سوى استمرار التحدّي.
إدراك متزامن أدى إلى تراجع متوازن، لا تكمن أهميته فقط في عودة الأمور إلى مجراها الطبيعي بين الجارين، بل في ما قد تتركه من آثار إيجابية على أكثر من أزمة ومشكلة مستعصية، بحيث تحضّ على خيار الحوار وما يقتضيه من تنازلات متبادلة تبقى، مهما بلغت، أفضل وأسلم من البدائل الأخرى التي تكفل الخسارة لأطرافها كافة.
