ما يجري في الأجواء الأوروبية الشرقية والشمالية الغربية غير اعتيادي، وينطوي على مجازفات من العيار الثقيل. سيرته محجوبة بما يجري في الشرق الأوسط، لكنه ليس أقل خطراً من غيره.

تحوّل التوتر المتزايد بين موسكو وواشنطن ومن ورائها حلف «الناتو» إلى عملية استعراض عضلات جوية وبحرية في مسرح عمليات مشحون بعوامل التفجير، يثير القلق والخشية من وقوع خطأ في الحسابات. ناهيك عن إمكانية حصول احتكاك غير مقصود في ظلّ أجواء التحدّي السائدة.

وما يزيد من وقوع حوادث من هذا النوع، أن اختراقات الطيران الحربي ومحاولات اعتراضه باتت روتينية ومكثّفة، من الجانبين. ففي الآونة الأخيرة، دخلت مقاتلة روسية أجواء النروج وتصدت لها مقاتلة من «الناتو». قبل ذلك دخل الطيران الروسي الأجواء الفنلندية. وبحسب أرقام الناتو، اعترضت طائرات الحلف المقاتلات الروسية 400 مرة خلال العام الجاري. بزيادة 50% على العام السابق.

من جهتها واشنطن غير مقصرّة في هذا المجال. فقد أرسلت أسراباً من طائرات إف – 16 إلى دول البلطيق، ليتوانيا ولاتفيا وايضاً إلى بولندا وبما رفع منسوب الدوريات الجوية في المنطقة إلى خمسة أضعاف ما كان عليه في عام 2013.

لغة ناقمة

في واشنطن تجري الإشارة إلى الرئيس بوتين بلغة ناقمة ومرفقة بعبارات الانتقاد الشديد. خاصة في سياق الحديث عن الأزمة الأوكرانية. الكونغرس الجمهوري الجديد يستعد لطرح موضوع تسليح كييف «بمعدات دفاعية » ولو أن الرئيس أوباما ما زال يمانع مثل هذا التوجه. كما يتهيأ لتصعيد العقوبات التي يقال إنها بدأت تؤذي موسكو، حيث فقد الروبل ثلث قيمته مقابل الدولار.

في موسكو ليست النغمة بالأخف. الرئيس بوتين في خطابه السنوي عن حالة البلاد قبل أيام، تحدث بلغة التحدّي. « يطالبوننا بالامتثال الأعمى وبلا تفكير لسياستهم التي يزعمون بأنها متوازنة وملائمة. لكن ذلك لن يحصل »، على ما قال. كما كرر اتهامه للغرب بأنه يعمل على استغلال أزمة أوكرانيا « للعودة إلى الاستراتيجية القديمة الرامية إلى إضعاف روسيا ».

تبدو واضحة نبرة الرفض الممزوجة بالمرارة في خطابه الشامل، الذي خصص معظمه للوضع الاقتصادي الهابط في روسيا والذي فاقمه انخفاض أسعار النفط. ويخشى مراقبون من أن يتجه الرئيس بوتين، في ظل التردي الاقتصادي ودخول روسيا في حالة ركود، نحو المزيد من التشدد في أوكرانيا « كما الشرق الأوسط ».

تواصل عسكري

الخشية من انفلات هذا التصعيد المفتوح، حملت الجانبين على إطلاق الدعوة لتجديد التواصل العسكري من باب استدراك الأمور وإبقائها تحت السيطرة.

ففي اجتماع «الناتو» أخيرا، طلب وزراء الدول الأعضاء من قيادة الحلف إعادة فتح جسور التواصل مع القيادات العسكرية الروسية، بهدف العمل على « إدارة الأزمة وتحاشي وقوع حوادث أو سوء تفاهم يؤدي إلى نزاع أكبر». والمعروف أن « الناتو » أوقف قبل أشهر

مع أهميته يبقى الاستدراك على الصعيد العسكري محصوراً في الإطار التقني. عرض العضلات العسكرية هو النتيجة وليس السبب. الأزمة جيو- سياسية. بوتين محكوم بعقدة الانتقام للانهيار السوفييتي. واشنطن ما زالت محكومة بعقدة احتواء روسيا.

 هذه الجذور العميقة للنزاع قضت على محاولات التقارب المبكر بينهما بعد الحرب الباردة. وسرعان ما عاد كل منهما إلى منطلقه. بعد أزمة أوكرانيا، كان من الطبيعي أن يستفحل النزاع ويأخذ هذه الأشكال الاستعراضية للقوة، والتي تؤكد إصرار الجانبين على عدم التراجع، على الأقل في المدى المنظور.