شهدت واشنطن، في الآونة الأخيرة، تطورين مهمين من شأنهما تسليط الأضواء على المسار المتعثر لاستراتيجية أوباما بشأن مواجهة التحديات الخارجية، وبخاصة الشرق أوسطية منها. الأول تمثل في قرار البيت الأبيض تعديل دور القوات الأميركية المقرر أن تبقى في أفغانستان بعد الانسحاب.
والثاني كان في انصراف – أو صرفه بصورة ملتوية – وزير دفاعه تشاك هاغل، الذي ترك الإدارة على نحو مفاجئ من حيث التوقيت. حدوث الأمرين بفاصل يومين بينهما يأتي ليعكس مدى غياب الاستقرار والانسجام داخل الإدارة، في رسم الاستراتيجيات الدفاعية واتخاذ قرارات وضعها موضع التنفيذ.
جدال حاد
في أفغانستان، كان من المقرر أن يبقى دور القوات الأميركية، التي ستبقى هناك حتى نهاية 2015 ، والبالغ عددها 9800 جندي، محصوراً « بتوفير التدريب وملاحقة عناصر القاعدة » كما حدّدها أوباما في مايو الماضي. أضف إلى ذلك « مطاردة طالبان » بناء على توصية البنتاغون.
وبعد جدال حاد مع فريق البيت الأبيض، عقب انهيار القوات العراقية في الموصل، تجدّد النقاش داخل الإدارة، بين دعاة تصعيد الدور في أفغانستان وبين المعترضين على ذلك. وقد حذر البنتاغون من تكرار سيناريو الموصل في أفغانستان لو بقيت القوات الأميركية بمنأى عن أي دور ميداني هناك. ولتحاشي مثل هذا الاحتمال الخطير، أصرّت القيادة العسكرية على ضرورة توسيع مهمة هذه القوات لتضمن صمود الجيش الأفغاني على الأقل خلال السنة الأولى بعد الانسحاب المفترض أن ينتهي في ديسمبر المقبل.
لكن الرئيس سبق ووعد بأقل من ذلك، بحيث لا يتورط بالتمديد لهذه القوات ويتحقق انسحابها الكامل من هناك قبل نهاية رئاسته بأسابيع قليلة. في ضوء ذلك وتحاشياً للوقوع في عراق آخر، وافق على تكليف القوات المتبقية بمهام « ميدانية » إضافية ، بموجب أمر سرّي في اكتوبر الماضي، كشفته «نيويورك تايمز» أخيرا. بمقتضاه يمكنها القيام « بعمليات ضد طالبان وغيرها من الجماعات» مع توفير المساندة الجوية للقوات الأفغانية في مواجهاتها مع هذه الجهات «.
خطوة تعكس الطريقة الملتوية التي تمارسها الإدارة في التعاطي مع الملفات الشائكة. بقراره تراجع البيت الأبيض من دون الاعتراف بذلك، عن تعهده السابق والذي تبين أنه كان أقرب إلى الرغبة منه إلى التقويم الموضوعي للواقع. نهج تسبب للإدارة بالوقوع في مطبات كثيرة، انفجرت بداية الأسبوع الماضي باستقالة وزير الدفاع.
انزعاج البيت الأبيض
الوزير هاغل متعثر من البداية في منصبه، لكنه ليس صانع السياسات. وتبيّن أنه جرى عزله تقريباً عن المشاركة في صياغتها. ثم طفت سيرة الخلافات إلى العلن. هاغل ورئيس الأركان الجنرال مارتن دامبسي، غمزا مراراً وتكرارا من زاوية »استراتيجية« الرئيس في هذا الخصوص، باعتبارها غير كافية بحدودها الراهنة.
التنافر واضح في طاقم الرئيس للأمن القومي. والتذبذب في القرارات أوضح. سواء بشأن أفغانستان والعراق أو سوريا، حيث تتعامل الإدارة مع هذه الأزمات بالتقسيط وبنهج الاختبار. في العراق: مراهنة على مثلث القوات العراقية، العشائر والأكراد.
ثم الحديث عن دور أوسع لقوات أميركية. ثم نفي هذا الخيار. وهكذا الأمر بالنسبة لسوريا: عمليات جوية ضد »داعش« فقط. التركيز على مشروع تدريب الجيش الحر ،والذي لم يباشر به بعد. ثم التلميح بأن كسر شوكة »داعش « لا تتحقق بدون عملية انتقالية تؤدي إلى الخلاص من الأسد. جاء بعد توضيح من المبعوث الخاص الجنرال جون ألن بأن مشرع الحرّ » ليس لتحرير دمشق «.
التوجه هذا واستقالة وزير الدفاع يؤشران إلى خلل في استراتيجية الاختبار التي يعتمدها الرئيس أولاً وأخيراً.
