الجدل حول ملف التسلّح مفتوح في واشنطن منذ نهاية الحرب الباردة. نوعيته، موازنته، دوره وحروبه المستقبلية. تعددت المقاربات من غير أن ترسو على واحدة واضحة ،كما كانت الحال قبل الانهيار السوفياتي. آنذاك كانت قد استقرت على ركيزتين: الردع والاحتواء. وعلى هذا الأساس تمّ بناء ترسانة الأسلحة التي تفي بشروط تلك الاستراتيجية. خاصة في الشقّ النووي منها وأنظمة الأسلحة اللازمة له.
مع غياب تلك المرحلة، انتفت الحاجة للتركيز على أسلحتها من القاذفات والصواريخ العابرة والغواصات الاستراتيجية. بدأ البحث عن تسلّح لحروب من طراز آخر. حرب تحرير الكويت ،غداة سقوط جدار برلين، كانت النموذج الأقرب للنزاعات المحتملة.
لكن مع تنامي تنظيم القاعدة وبداية عملياته الإرهابية، تبلور نمط آخر من المواجهة التي تحولت إلى نوع من المطاردة. ثم جاء غزو العراق وما تلاه، ليعيد الاعتبار على الحرب التقليدية المتداخلة هذه المرة، مع الحرب على الارهاب. ثم جاء عهد أوباما ليعتمد خط قفل بوابات الحروب مع الخفض النووي. خرج من العراق وقريباً من أفغانستان.
وعقد ستارت – 2 مع موسكو. بموازاة ذلك، وبضغط العجز في الموازنة، جرى قطع 400 مليار دولار من نفقات البنتاغون على مدى عشر سنوات؛ تبعها حجز إجباري بمبلغ 600 مليار على امتداد المدة نفسها.
جيل جديد
الآن وفي ضوء المستجدات، من الشرق الأوسط إلى أزمة أوكرانيا فضلاً عن الصعود الصيني، يعود التداول من جديد في موضوع السلاح اللازم « لحروب الغد » التقليدية، التي لا يبدو أنها في حالة أفول، والتي يجري فيها التخطيط للجيل الجديد من أسلحتها المناسبة.
وتوزّع النقاش في هذا الملف، خلال السنوات الأخيرة على مدرستين: واحدة تقول أن الحديث عن حروب المستقبل واسلحته، لا حاجة له. من رموزها وزير الدفاع الأسبق روبرت غيتس الذي شغل هذا المنصب في ولاية أوباما الأولى. طرح اعتمده اوباما ويتوافق مع نظرته المبدئية. الثانية، تغالط هذا التوجه وتدعو إلى التخطيط لأسلحة « استراتيجية الغد » .
يقول جاد بابن، معاون وزير الدفاع الأسبق ،أنه « على وزير الدفاع ليس فقط خوض حروب اليوم بل أيضاً التخطيط لحروب المستقبل ». أي التحضير الحربي لها. مقاربتان على طرفي نقيض. الأولوية حسب الأولى، للعمل على اجتناب الحرب.
فيما الثانية ترى أن الحروب التي نشبت بعد جدار برلين والنزاعات المحتدمة الآن تؤكد ليس فقط صحة طرحها، بل أيضاً ضرورة الاستعداد وبما يضمن التفوق من خلال تجديد وتطوير أنظمة الأسلحة. خاصة سلاح الجو.
مضادات للأسلحة الأميركية
في الآونة الأخيرة نسب إلى مصادر عسكرية صينية قولها إن « طائرة الشبح إف – 22 لم تعد ذات جدوى لأن الرادار الصيني قادر على كشفها ». زعم مشكوك فيه، بحسب ما يقول «بابن ». لكن مع ذلك فإنه يدعو إلى « أخذه على محمل الجدّ وبالتالي يتوجب العمل لتطوير بديل عن هذا النوع من الطائرات التي تقوى على التسلل من دون أن يكشفها الرادار» .
ويضيف ان « الكثير من الأسلحة الأميركية الرئيسية لم يحصل تجديدها بمعدات حديثة منذ عهد الرئيس ريغان في الثمانينات، بحيث صار بعضها قديم وغير مجد ».
طبعاً بالمقاييس الأميركية. ويقصد بعدم جدواها أن بلداناً أخرى نجحت في تطوير مضادات لها وبما جعلها غير متفوقة، خلافاً لما كانت عليه الحال منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية. « وإذا تعذر استرجاع هذا التفوق التكنولوجي، » فعندئذ لا بدّ من تغيير استراتيجياتنا وأسلحتنا «.
يعترف المخططون العسكريون الأميركيون أن تحديات عالم اليوم ليست فقط مختلفة، بل يصعب تحديد مواجهتها بالطرق العسكرية التقليدية. الأسلحة الاستراتيجية، لا تنفع معها. الغزو ثبت ارتفاع كلفته. المواجهة فقط من الجو لا تشكل البديل الحاسم، بحسب ما يحدث في قتال »داعش«. ويستمر الجدل فيما يتواصل تكديس الأسلحة.
