مفارقة صنعتها الصدفة. بدأت إدارة أوباما الخروج من حرب أفغانستان، بعد شهرين من دخولها في شبه حرب مفتوحة، في العراق وسوريا. ولا بدّ أن تكون لحظة الارتياح الذي غمرتها للبدء في الانسحاب من صداع السنوات الـ 13، قد رافقها تخوف من العودة إلى حيث غادرت، كما جرى لها في العراق. فالرئيس الذي تعهد بقفل باب الحروب، رأى نفسه مضطراً للرجوع إلى حيث غادر عام 2011.

وإن لم يكن بحرب كاملة. صحيح ان ظروف الساحتين تختلف وما ينطبق على واحدة منهما لا ينسحب بالضرورة على الأخرى. لكن الصحيح ايضاً ان الاحتلال ارتكب باعترافه أخطاء في الساحتين، سياسية وعسكرية. مزيج خطايا الاحتلال وجذور الاختلال الداخلي يرشحهما إلى العودة لاستئناف دورة التناحر والتمزق.

العراق أكد ذلك. برغم أن العودة الأميركية النصفية إليه جات في الشق الأكبر منها نتيجة تردد الإدارة المبكر في مواجهة خطر التطرف الداعشي في سوريا.

قبل ايام سلّمت القوات الأميركية والبريطانية قاعدة هلمند الأكبر إلى القوات الأفغانية، مؤذنة بذلك بداية العد العكسي للانسحاب الميداني من البلد. مع بداية العام المقبل تبقى قوة أميركية من 9800 عنصر مع 2700 من قوات التحالف في أفغانستان «لأغراض التدريب والدعم» بموجب اتفاق امني جرى توقيعه مع الرئيس الأفغاني الجديد. بحلول عام 2016 ينسحب آخر جندي اميركي ومن بقي من قوات التحالف.

علامات استفهام

القوات الأفغانية التي بدأت تضطلع بالدور الأمني منذ العام الماضي «ما زالت تواجه تحديات قاسية في سائر المقاطعات». الآن مع بدء الانسحاب، بدأ العارفون بالوضع الميداني الأفغاني يطرحون علامات استفهام حول وضع القوات الأفغانية مع التشكيك بقدراتها على وقف تقدّم طالبان، ناهيك بدحرها.

ليس لفقر في التجهيز أو الموازنة، حوالي 6,5 مليارات دولار سنوياً. بل الخشية من عدم صمود تماسكها، أو ربما إمكانية اختراقها. خاصة بعد 2016. وبالأخص إذا تعثر الائتلاف الحكومي، على غرار ما شهده العراق ولو ان واشنطن اشرفت على تركيبه.

المراقبون يستبعدون عودة طالبان إلى الحكم. احتمال تجاوزه الزمن وما عاد يتوافق مع المعطيات المحلية والمجاورة. لكن هناك تخوّفا من قدرة الحركة على ضرب الاستقرار وترك البلد في حالة من انعدام الوزن وبما يجعله مفتوحاً امام حركات ومجموعات إرهابية لاستخدامه كقاعدة لها. كذلك ثمة حذر لناحية ما ستكون عليه العلاقات الباكستانية – الأفغانية، والتي تتأثر بها قدرة طالبان على التحرك الفعال في الساحة الأفغانية.

إبقاء الروافد مفتوحة

في ظل هذه المعطيات وفي ضوء قرار الانسحاب التدريجي التام من أفغانستان والذي لا عودة عنه، تقف واشنطن امام طي صفحة أطول حروبها من غير الاطمئنان إلى انسداد كافة روافدها. وما يزيد من الخشية أن الإدارة اكتوت بنار انسحاب سابق ارتدّ عليها، ولو أنها ساهمت في حصول مثل هذا الارتداد. آخر ما كان يتوقعه أو يريده الرئيس أوباما أن يخرج من الباب العراقي ليعود عسكريا من نافذته. أفسد عليه ذلك تحقيق وعده بوقف الحروب.

المهم لدى الرئيس أوباما أن يبدو وقد أوفى بوعده بطي صفحة الحروب. هكذا فعل في العراق، ولو أن خروجه ترتبت عليه تداعيات خطيرة، كما يرى كثيرون في واشنطن. وهو يكرر ذلك في أفغانستان الآن.