انتهت البنتاغون من صياغة استراتيجيتها العسكرية الجديدة. ما تسرّب عن خطوطها العريضة عشية الكشف عنها للبدء في نقلها إلى حيّز التنفيذ بحلول 2016، كان سبق لرئيس الأركان الجنرال مارتن دامبسي أن لخّصها عام 2010 بخطوتين: تحديد طبيعة المواجهات العسكرية في البيئة الدولية الجديدة، وتوفير الإمكانيات وأدوات المواجهة اللازمة لها. جملة عوامل أدت إلى هذا التغيير في المفهوم الحربي:
خفض الإنفاق العسكري بحكم ضغوط الموازنة، التجربة المكلفة لحربي أفغانستان والعراق وأخيراً خلو الساحة الدولية من الخصم اللدود، ولو بقيت فيها قوى وازنة مثل روسيا والصين اللتين تعتبران بمثابة «المنافس» وليس العدو. وكان واضحاً يوم تقرر هذا التوجه، أن الرئيس أوباما أراد اغتنام فرصة هذه العوامل ليؤسس لمذهبه العسكري المناقض لمذهب سلفه بوش القائم على الغزو الفاقع.
يقوم المفهوم الحربي الجديد على تجهيز قوة عسكرية مجوقلة لمواجهة «تهديدات صغيرة غير مباشرة – غير نظامية إجمالاً – ويكون بإمكانها التحرك السريع والبعيد».
ولتحقيق الغرض، تكون هذه القوة مؤلفة من وحدات صغيرة، يجري نقلها بوسائط خفيفة مثل المروحيات، تطلق من حاملة طائرات أو من القواعد العسكرية الأميركية الموزعة في العالم.
المهمة الجوهرية لهذه القوة «ليس الاستعداد للدخول بعمليات ميدانية عند الحاجة، بل القيام بمهمات استباقية من شأنها منع انفجار مجابهات حربية». بدلاً من أن تكون الغاية هزيمة الآخر، يصبح ردعه وشلّ قدرته مسبقاً على خوض الحرب هو الغرض. وبهذا تنتفي الحاجة إلى المواجهات العسكرية الواسعة والمديدة..
وبالتالي يصبح بالإمكان خفض المشتريات العسكرية الثقيلة التي تتطلبها العمليات الميدانية، بحيث يتحقق تقليص الكلفة الحربية والبشرية معاً. هكذا يحل الردع مكان القوة الميدانية، حسب هذا المفهوم الذي لعبت حرب العراق وأفغانستان الدور الأساسي في بلورته. التجربة التي ما فتئ الخبراء يرددون درسها هي أن تفوّق القوات الأميركية ضمن لها الاجتياح السريع، لكنه لم ينقذها من الغرق في وحول ورطة ما بعد الاحتلال.
خصم جديد
لكن في الفترة الأخيرة برز خصم من نوع جديد مثل «داعش». لا هو جيش نظامي ولا خلايا متنقّلة تعمل بأسلوب الضربات المفاجئة. الإدارة بقيت على رفضها المواجهة بقوات برية، انطلاقاً من مفهومها المناقض لنهج التدخل الكلاسيكي. بدلاً من الردع المسبق اعتمدت المطاردة الجوية.
لكن هي اعترفت والتجربة أثبتت أن الضرب من فوق لا يكفي لوحده. الأمر الذي وضعها أمام مواجهة طويلة تتناقض مع مفهوم التعامل مع التهديدات والتحديات بأسلوب الردع السريع. بل مواجهة تتطلب العودة إلى «جيش المواجهة» ولو بصيغة معدّلة أو مصغّرة. ففي معظم التقديرات، لا بديل عن قوات ميدانية وإن بغير صيغة الاجتــياح «لتحجيم داعش ثم القضاء عليه».
مفهوم «الاستباق» العسكري الجديد سقط في الاختبار الأول. إدارة أوباما فشلت في وضعه مبكراً يوم طرحته، موضع التنفيذ. برفضها تسليح الجيش السوري الحرّ الذي كان بمثابة أداة الاستباق لمحاصرة «داعش» ثم القضاء على خطره وتهديده، تركت مشروع الحرب يكبر. زعمت حينها أن ما يمنعها من التسليح هو خوفها من سقوط سلاحها بيد المتشددين. فكانت النتيجة أن تنامى «داعش» .
المذهب العسكري الذي تعتمده البنتاغون هو انعكاس لمفهوم الرئيس ولظروف لحظته الراهنة. الرئيس يتغيّر. وأيضاً ظروفه. ولذلك توالت مذاهب كثيرة وتلاشت. منها ما قام على الاقتحام. ومنها ما قام على الانعزال. وفي كل الحالات بقي قرار الحرب مسألة استنسابية.
