بعد مشاركته في افتتاح الجمعية العمومية للأمم المتحدة في نيويورك، قام رئيس الحكومة الهندية ناراندرا مودي بزيارة رسمية لواشنطن استغرقت يومين، التقى خلالها بالرئيس أوباما وأركان الإدارة وحظي بتكريم خاص من جانب الرئيس شخصياً والوزير كيري. كما جرى ترتيب لقاءت خاصة له مع ممثلين لعالم الأعمال كما مع فريق من أهل النخبة في رسم الاستراتيجيات من خلال ندوة له في مؤسسة بروكنغز للدراسات.

الاهتمام الخاص به وبزيارته، يتجاوز كونه صاحب القرار في دولة وازنة، صاعدة ولو ببطء. هو يعود إلى كون هذه الدولة هي الهند، بموقعها وأهميتها في معادلة القوى في المنطقة التي تعتبرها واشنطن أنها باتت نقطة الجاذبية في الثقل الدولي. بل يعود أساساً إلى الرغبة في استكمال نسج شراكة استراتيجية معها، كانت قد بدأت حياكة خيوطها الأولية قبل حوالي تسع سنوات، من خلال عقد اتفاقية تعاون نووي للأغراض المدنية بين الجانبين.

حصيلة متواضعة

مع ذلك كانت الحصيلة الملموسة للزيارة متواضعة. الملفات الهامة المختلف حولها، مثل موضوع التجارة وملف التعاون النووي، فضلاً عن مسألة حقوق الإنسان؛ بقيت تقريباً معلــّقة. اكتفى الجانبان بتصليب » البنية التحتية « للتوافق بشأنها. الأخير، حقوق الإنسان، جرت ملامسته بحذر، نظراً لحساسيته بالنسبة للضيف الهندي الذي سبق أن رفضت واشنطن منـــحه تأشيرة دخول عام 2002، على أساس أنه كان ضالعًاً في التحريض آنذاك على أعمال عنف وقع ضحيتها حوالي ألف قتيل من مسلمي إحدى المقاطعات الهندية.

لكن هذا لم يمنع من التوافق والتوقيع على اتفاقيات في مختلف الحقول المناخية والصحية والتربوية والتنمية والطاقة وتمكين المرأة.

وكان أهمها في مجالات الدفاع والتشاور الاستراتيجي، بما في ذلك المناورات العسكرية المشتركة والمشتريات الدفاعية مع إزالة العوائق من طريقها بلغت قيمتها في السنوات الست الماضية حوالي عشرة مليارات دولار فضلاً عن التصنيع الدفاعي المشترك والتعاون في مجال محاربة الارهاب وتعزيز الأمن النووي في العالم وحروب الفضاء الالكترونية. سلّة تشكل الأرضية لبناء شراكة اســــتراتيجية واسعة مع الولايات المتحــــدة، قال رئيس الحكومة مودي إن » الهند تعطــــيها الأولوية « في حساباتها.

وفي هذا الإطار أكّد الطرفان على » التزامهما بتطبيق الاتفاق النووي المدني « الذي جرى توقيعه أيام الرئيس بوش الابن عام 2005 والذي شكّل الركيزة الأساسية لتطوير الشراكة تدريجياً ورفعها في النهاية إلـــى مرتبة العلاقة الاستراتيجية.

جرعة من الزخم

في 2010 قامت إدارة اوباما بإعطاء هذا التوجه جرعة من الزخم بنقله إلى مستوى »الحوار الاستراتيجي « بين الطرفين. ومنذ ذلك الوقت يعقد الجانبان جولة سنوية من المباحثات في هذا الإطار وعلى امتداد يومين، تمخضت تباعاً عن سلسلة من الاتفاقات شملت ولا تزال كافة المجالات التي تؤسس للبعد الاستراتيجي الذي تلتقي فيه مصالح الطرفين في الإقليم وتوازناته.

ومن هنا كانت دعوة إدارة أوباما للهند، في عام 2011، كي » تنهض بدور قيادي من خلال نفوذها السياسي الذي يتناسب مع تنامي حجمها الاقتصادي « على حدّ تعبير الوزيرة كلينتون آنذاك. كان ذلك بمثابة حث للهند بل دفعها لتأكيد حضورها في المنطقة وبما يخفف من اندفاعة صعود الصين ونفوذها الإقليمي الذي بدأ يتسبب بإزعاج حضور وثقل اميركا وهيمنتها في المنطقة.

تشابك المصالح

لكن تشابك المصالح والحسابات مع تمايز الأولويات، لجم الطرفين وخفف من الدفع في هذا الاتجاه. الهند عينها في الأساس على باكستان.

كما تحرص على عدم استفزاز الصين التي لها علاقات تسليحية مع إسلام اباد.

وواشنطن تحرص، في الوقت الذي تعمل فيه على بناء شراكة استراتيجية مع نيودلهي، على عدم تسريع الخطى في هذا المجال لئلا تستفز باكستان التي تحتاج لتعاونها في أفغانستان.

من جانبها عملت الصين على إظهار حسن النوايا والحرص على مخاطبة الهند بلغة » تعزيز التعاون الاستراتيجي« في محاولة ترمي الى التطمين، وبما يحول دون اندفاع الهند في علاقتها مع واشنطن على حساب علاقتها مع بكين.

وفي سياق هذا التوجه، رفعت بكين استثماراتها في الهند إلى حوالي 20 مليار دولار، في حين لا تدنو الاستثمارات الأميركية في الهند والمتروك أمرها للقطاع الخاص، من هذا المبلغ.

تبدو واشنطن كما نيودلهي، عازمة على تعزيز الشراكة بينهما. صعود الصين كقوة طامحة بالهيمنة في الإقليم، يشكل القاسم المشترك والجاذب لمثل هذه العلاقة بينهما. لكنها عملية محكومة باعتبارات ومعادلات تفرض على مسارها أن يبقى في حدود التدرج البطيء.