دخلت أزمة أوكرانيا في طور جديد مفتوح ليس فقط على تمزيق هذا البلد، بل أيضاً على احتمال تجاوز حدوده والتمدّد إلى المواقع الرخوة في الجوار. خاصة في دول البلطيق الصغيرة الملاصقة لروسيا.
الخشية أن التدخل الروسي والضغوط لرفع وتيرة التدخل الأميركي – الأوروبي من شأنه توليد دينامية تُخرج الصراع عن حدود السيطرة، مع ما يترتب على ذلك من تداعيات تطال المستقبل الأوروبي كما النظام الأمني الدولي.
انتقال المواجهات العسكرية إلى جنوب اوكرانيا وتعديل الوضع الميداني لصالح الانفصاليين جرى بدعم روسي مباشر، حسب واشنطن، وتمثل بدخول حوالي ألف جندي روسي بالأسلحة الثقيلة، وشاركوا في القتال إلى جانبهم.
الإدارة وضعت هذا العملية في خانة «التوغل». المتشددون في الكونغرس وغيره، رأوا في ذلك عملية «غزو » يقولون إنها ثابتة، «بالصور من الجو كما بالمعلومات الميدانية». مع ذلك ما زال الرئيس ضد خيار تزويد أوكرانيا بأسلحة دفاعية متقدمة. ويؤكد، بدلاً عن ذلك، على الحل السياسي.
فريق «الغزو»، يدفع باتجاه التعامل مع الوضع على أساس أنه عمل عدواني، يوجب تسليح القوات الأوكرانية. لا بل يقتضي «نشر قوات من الناتو في دول البلطيق» على ما يرى الخبير الاستراتيجي زبغنيو بريجنسكي، والذي يعتبر من الصقور في التعامل مع روسيا. يجاريه في ذلك عدد من المحافظين في مجلس الشيوخ، يتقدمهم السناتور جون ماكين.
وحتى من الديمقراطيين، مثل السناتور بوب ماننديز رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ. ويكاد يراهن هؤلاء على الاجتماع الهام لحلف «ناتو» في بريطانيا، لاتخاذ مثل هذه الخطوة. مصيره كحلف دفاعي، يرتبط بمدى فعالية رده على «الاقتحام» الروسي الجاري في اوكرانيا.
من منظور هذه المدرسة، ما تقوم به روسيا بوتين تحكمه حسابات استراتيجية يتعدّى دعم الأقلية الروسية في شرق أوكرانيا، لتشمل وضع هذه الأخيرة برمته وربما الأوضاع المماثلة في المحيط الروسي الأوروبي، من ضمن عملية تفكيك وإعادة تركيب. وبما يضمن توسيع الفلك الروسي ليكون سدّاً في وجه تمدد «الناتو».
ثمة من يرى أن هذا التشخيص مبالغ فيه. أوباما لا يتبنى حتى الآن كل جوانبه. يتمسك بتصعيد العقوبات ضد موسكو، كرد على تصعيدها في جنوب أوكرانيا. وقد يسير الأوروبيون معه في هذا الخيار، ولو على مضض وربما بصورة مؤقتة. ذلك أنه لا خيار آخر.
العسكري، خارج الحسابات. لكن الخشية أن الضغوط تتراكم للتصرف على اساس أن العقوبات لن تجدي. وحتى لو كانت موجعة فإنها لن تقوى على تغيير استراتيجية بوتين، كما ثبت حتى الآن، بل أدت إلى المزيد من التصعيد. والبناء على ذلك من شأنه أن يؤدي إلى مسلسل فعل ورد فعل منفلت من الضوابط.
المبادرة بيد بوتين
لا يختلف المراقبون على أن المبادرة حتى الآن ما زالت بيد الرئيس بوتين. فهو يدرك محدودية الأوراق التي يمسك بها الغرب. كما يدرك مدى عدم التوافق بين أطرافه، بشأن العقوبات. ناهيك بالخيارات الأخرى. لكن دخوله أو إدخاله في لعبة إيجاد الأمر الواقع على الأرض، محفوف بالتصعيد الاستفزازي المتبادل.
ليس بالضرورة أن يصل إلى مواجهة عسكرية. لكنه قد يدفع بالنهاية نحو مرابطة قوات من «الناتو» وإن رمزية في الجوار الروسي المباشر.
وهذا ما يطمح إليه الصقور في واشنطن الذين يمارسون الضغوط والتخويف على الحلفاء الأوروبيين لحملهم على سلوك هذه الطريق. نجاحهم يرتبط إلى حدّ بعيد بمدى توغل بوتين في خط التلاعب بالجغرافيا السياسية «وإعادة كتابة القواعد التي رست عليها الأوضاع بعد الحرب العالمية الثانية». ويبدو أنه عازم على الاستمرار في هذا الخط.
تداعيات واسعة
الأزمة الأوكرانية صارت عصية على التسوية. على الأقل في المدى القريب. خطاب «الأبلسة»، بات لغة الجانبين. معه باتت الفجوة أوسع فأوسع. أبعد الطموح يتمثل في وقف تفاقم هذه المشكلة «الأكبر منذ نهاية الحرب الباردة». المفقود في هذا المجال، هو دور جامع من المفترض أن تقوم به الأمم المتحدة.
لكنه دور مغيّب. لا وجود له حتى شكلياً في هذه الأزمة، التي لا تقتصر مضاعفاتها على أطرافها ومحيطها فقط. المخاوف مشروعة من انعكاسها على ملفات أخرى محمّلة بصواعق الانفجار، من بحر جنوب وشرق الصين إلى النووي الإيراني وبقية ساحات الشرق الأوسط.
في ضوء هذه الأبعاد المحتملة، هل تبادر قوى من الوزن الثقيل مثل الصين على لعب دور لاجم، من باب الحرص على مصالحها الدولية وحمايتها من تداعيات أزمة لن تنحصر بأوروبا؟ ثمة في واشنطن من يدعو إلى مثل هذا الدور. علّ وعسى.
