ليست هي المرة الأولى. حادثة الطائرة الماليزية على مأساويتها لها سوابق والطريقة البشعة والمفجعة نفسها. الجديد والخطير فيها أنها حصلت حسب ما تكاد تجمع عليه الشبهات والتقديرات على يد قوة انفصالية غير شرعية في نظر القانون الدولي، مسلحة بعتاد عسكري تملكه الدول عادة.
كما تحظى بحماية ورعاية دولة تملك ترسانة دولة نووية عظمى. ومثل هذه العلاقة لا توفر لهذه الجماعة فقط استمرار تدفق السلاح عليها، بل أيضاً استمرار الغطاء المانع لمحاسبتها.
ويزيد من خطر مثل هذا الانتهاك الفظيع، أنه يأتي في لحظة صعود لمثل هذه المجموعات في غير مكان وقيامها باقتطاع أجزاء من كيانات معترف بها دولياً، لتجعلها قاعدة تنطلق منها، وتقوم بممارسات تنتهك الحقوق والسيادة والأعراف بأشكال فادحة، ولا من يسأل أو يحاسب.
أو على الأقل ليس من يتصدّى لوقف هذا المدّ. وكأن مسار التفكيك أو السطو السيادي السائد بات متاحاً له أخذ القانون بيده وضرب القانون الدولي وما يتصل به من معاهدات واتفاقيات ومواثيق، بعرض الحائط.
أبعاد دولية
من البداية كانت للصراع الدائر في أوكرانيا أبعاده الدولية. كانت هذه الساحة مسرحاً للمغالبة وتصفية الحسابات بين موسكو واشنطن، مع دور أوروبي وسطي. الكل بقي أو تعمّد أن يبقى في مقعد المتفرّج، عندما كانت أحوال هذا البلد تنزلق قبل سنوات نحو الهاوية.
كل طرف كان يحاول شدّه إلى فلكه، مستفيداً من واقعه المقسوم بين شرقه وغربه. بدلاً من معالجة الانقسام، جرى العزف على أوتاره. بذلك تم القفز من فوق إرادة الأوكرانيين ومصادرة إرادتهم، بصورة أو بأخرى. بل تمّ توظيفهم في صراع أكبر من خلافاتهم الداخلية التي أضحت بمثابة محروقات لمعركة التنازع الجيو سياسي الخطير في شرق أوروبا.
في هذا السياق وقعت حادثة الطائرة الماليزية. وكان من الطبيعي أن تصب الزيت على نار الأزمة بين واشنطن وموسكو. بل تنقلها إلى مستوى أخطر من الخصومة.
الغرب ومن ضمنه أوروبا هذه المرة، يعدّ لفرض رزمة جديدة ومؤذية من العقوبات ضد موسكو، تطول قطاعات الطاقة والدفاع والمصارف وغيرها من المؤسسات الحساسة، في حال عدم تعاون موسكو مع التحقيقات وكشف ملابسات الحادثة. الردود حتى الآن، لا تشي بنية في التعاون. الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وضع اللوم على واشنطن وكييف لعدم الالتزام بوقف إطلاق النار الذي جرى التوصل إليه في يونيو الماضي، بمساعدة الأوروبيين. وثمة في واشنطن من يشير إلى هذه الحقيقة. لكن ذلك على صحته، لا يبرر إسقاط طائرة مدنية.
ولو بالخطأ. سيما وأن موسكو لا تبدو حتى اللحظة في وارد الاعتراف بمثل هذا الخطأ، كمدخل لطي صفحة الحادثة وتجاوزها للبحث في الأزمة من جذورها. المؤشرات تعزّز العكس.
التعبيرات التي صدرت عن الانفصاليين، لجهة إعاقة الوصول إلى مسرح الجريمة، ثم لجهة التعامل مع جمع جثث الضحايا من غير أن تتدخل موسكو، تشير إلى استبعاد مثل هذا الاحتمال.
الرئيس بوتين اكتفى بتصريح يحمل إشارات غامضة. يعرف أنه في موقف صعب. ويعرف أن تسليمه بأن الصاروخ روسي وثمة تقارير تزعم بأن بطارية الصواريخ جرى تشغيلها بوساطة عناصر عسكرية روسية مؤهلة لاستخدامها يضعه في موقف يصعب معه مواصلة دعم الانفصاليين. ورقة لا يتركها طالما أنه يعتبر معركة أوكرانيا هي المدخل لإحياء دور وحضور موسكو اللذين ينشدهما. الأمر الذي سيجعله يتشبث بنكران أية مسؤولية.
ما يعطي المزيد من الزخم لخيار العقوبات وبالاشتراك مع الأوروبيين. والخشية في هذه الحالة أن تؤدي زيادة الضغوط على بوتين مع خطاب شيطنته السائد الآن في العديد من وسائل الإعلام وأوساط اليمين الأميركي، إلى الردّ بخطوات ترفع من درجة التحدي المكشوف والمفتوح على المزيد من التأزم في غير ساحة.
محطة فارقة
الطائرة الماليزية محطة فارقة في أزمة سعي روسيا لاستعادة مجدها السوفييتي. كما في أزمة العلاقات الروسية الأميركية التي دخلت في نفق جديد من التوتر. خاصة منذ عودة بوتين الثانية إلى الرئاسة. فهو رأى في حينه أن موسكو خرجت من تداعيات الانهيار السوفييتي وجاء وقت عودتها إلى المسرح الدولي. اعتمد نهج المشاكسة، عبر الآخرين.
واشنطن التي سارعت غداة الحرب الباردة إلى تطويق روسيا بتوسيع حلف »الناتو« زاد ارتيابها. ضاقت بعصبيته الوطنية، المشروعة بكل حال. لكنه بخروجه إلى ساحة الدور الخارجي المعاند، زاد من عيار التوتر. والآن تعمل واشنطن لتوظيف ورطته الماليزية، إذا صحت التقديرات. ومآخذ بوتين على مثل هذا التوظيف، لا يعطي الحادثة الأسباب التخفيفية. وبذلك عادت حليمة الروسية الأميركية إلى عادتها القديمة.
