على هامش المداولات بشأن الأزمات الدولية، التي تفرّخ كالفطر هذه الأيام، وما تطرحه من تحدّيات استراتيجية، يتزايد النقاش والسجال في واشنطن حول قصور التعامل الأميركي معها. ويجري ذلك في سياق يعكس حالة من القلق على دور ومصداقية وموقع أميركا كدولة عظمى، بل كدولة «لا غنى للعالم عنها»، كما قالت مرة وزيرة الخارجية السابقة مادلين اولبرايت، وتكررت مراراً بعدها. أو كونها «الصمغ الذي يضمن تماسك النظام الدولي»، كما يقول السيناتور الجمهوري لاندسي غراهام. مقولات بدأت تتسرب إليها علامات الاستفهام، إن لم يكن الشك.

وثمة حيرة ترافق هذا الجدل. فالولايات المتحدة ما زالت الأقوى والأغنى وبما لا يقاس، من كل النواحي الأساسية.

خصوصاً الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية وحتى الثقافية، لكن مع كل هذه الفوارق، تبدو وكأنها أسيرة العجز، حيال مستجدات خطيرة تتوالى تباعاً على غير ساحة دولية. إدارة أوباما تكتفي بالتعاطي معها من زاوية تقليل خسائرها. أو إدارة أزماتها وإلى حين.

ليس لأنها تتخلى عن مفتاح الحلول السحرية، الذي يعتقد البعض أنه طوع يديها، في حين انها لا تملكه أصلاً. كما ليس لأنها تخلّت عن سياسة العصا الغليظة إجمالاً. وهذا يسجّل لها. فالعصا الغليظة تفاقم ولا تحل الأزمات كما اتضح بالتجربة. بل ربما لأن هناك مزيجا من الترهل الأميركي في زمن مخاض دولي زئبقي. ويضيف آخرون إلى ذلك الافتقار إلى شروط القيادة المطلوبة في الوقت الراهن في واشنطن. ليس في البيت الأبيض فقط، بل أيضاً في الكونغرس. وحتى في مواقع كثيرة من مطابخ الرأي والإبداع.

ترهل النظام الأميركي

النظام في اميركا مأزوم ومصاب بالترهل. من العلامات على ذلك عدم انتظام عمل آلياته. وبالتحديد في الكونغرس وعلاقاته مع البيت الأبيض. ماكينة التشريع شبه معطلة. الجمهوري متشبث بالتقشف في الداخل وبالتشدّد في الخارج. يمتهن مشاكسة أوباما وتوجهاته. والرئيس يمارس التعالي أحياناً على الكونغرس. خصوصاً مجلس النواب ذي الغالبية الجمهورية. الحصيلة، شحّ في اعتماد السياسات المنشطة للاقتصاد، وبالتالي تعثر الأوضاع الداخلية. الأمر الذي ينسحب على السياسة الخارجية ويفرغها من الزخم. ثمة قاعدة معروفة في واشنطن: سياسة الخارج مرآة للداخل.

يفاقم من ذلك أن المرحلة الانتقالية الدولية ما زالت في طور المخاض الذي أعقب الحرب الباردة. من طبيعة العملية التي لم تستقر بعد على معادلة متماسكة إلى حين، أن تتميز بتفقيس الأزمات والصراعات المربكة والخطيرة.

الصراعات والهزات المتفجرة من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا وبحر الصين، لها جذورها الذاتية وتداعياتها وسياقاتها. المرحلة الراهنة لم تنتجها. فقط أفسحت لها المجال. وضبابيتها ساهمت في تعقيد التعامل معها. بل في زيادة تأزمها.

لكن ذلك على أهميته، لم يشفع للرئيس أوباما والنهج الذي اعتمده للتعاطي مع هذه الأزمات، من سوريا ـ التي يقول كثيرون في واشنطن إنها كانت مدخل التذبذب والتراجع ـ إلى العراق، مروراً بانهيار مفاوضات الدولتين وتمديد مفاوضات النووي الإيراني. وأخيراً أوكرانيا التي انتجت أزمتها مأساة الطائرة الماليزية. وثمة من يضيف التوتر في محيط بحر الصين بين الخصوم القدامى. لا يضعه خصومه في موقع المسؤول عن هذه الأزمات.

فهي تأسست قبل مجيئه إلى البيت الأبيض. لكن سياساته إزاءها «فاقمتها» على ما يقول منتقدو الرئيس. «النوايا الحسنة لا تفوز بالجائزة في السياسة الخارجية. الأداء هو الذي يؤخذ في الحسبان»، كما يقول المعلق المعروف دافيد اغناتيوس. توصيف متداول حتى لدى الدوائر المتعاطفة مع أوباما. فلا ينكر أحد على أوباما إلا خصومه من عتاة المحافظين، «صوابية رؤيته. لكن لست متأكداً بأنه يملك الشجاعة الاستراتيجية»، على حدّ ما قاله الخبير الاستراتيجي زبغنيو بريجنسكي، من «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية» في واشنطن. والملاحظ أنه ليس في الوارد تغيير أو على الأقل تعديل هذا النهج.

وكيفية تعامله مع حرب غزة الجارية فصولها تباعا، يؤكد ذلك. فهو مع الغزو الإسرائيلي ومع حماية المدنيين. أخذ بتطمينات حكومة نتنياهو في هذا الخصوص. ومثل ذلك مستحيل، كما يقول الخبراء، نظراً لضيق المكان وكثافة سكانه. وحتى عندما اكتشف أن مثل هذه المعادلة غير قابلة للتطبيق، ما كان لديه سوى إيفاد الوزير كيري إلى المنطقة لصياغة وقف نار من دون مشروع معالجة سياسية لأصل المواجهة. مقاربة محكومة بعدم الجدوى كما تقول صحيفة «نيويورك تايمز» في أحسن أحوالها ربما تؤدي إلى وقف نار في الوقت الحاضر.

مأزق الرئيس أوباما غارق في أزمات، غير قادر ليس فقط على معالجتها، بل أيضاً على وقف انزلاقها إلى الأسوأ. ووقته في البيت الأبيض لم يعد يسمح له باستعادة المبادرة.