قرار الحكومة اليابانية بتوسيع تفسير المادة التاسعة من الدستور، بما يعزز دور القوات المسلحة وحضورها في المجالات الدفاعية الوطنية والإقليمية، لم يكن مفاجئاً. ظروفه تجمعت بصورة متسارعة في الآونة الأخيرة. صعود اليمين القومي إلى الحكم في طوكيو مع خطابه الناري لإحياء ثقافة العزّ الامبراطوري الياباني الماضي، إلى جانب تنامي التمدد الصيني في المنطقة..

وما رافقه من توتر حول جزر متنازع عليها مع اليابان، أدّى إلى منح هذه الأخيرة الفرصة للتخلص من القيود العسكرية المفروضة عليها منذ الحرب العالمية الثانية. المفارقة أن واشنطن التي كتبت هذا الدستور في أعقاب هزيمة اليابان ومنعتها، بموجب تلك المادة، من امتلاك قوة عسكرية تزيد على حاجاتها الدفاعية المحدودة، هي التي شاركت بل حثّت اليوم على فك هذه القيود إلى حدّ بعيد.

ففي أكتوبر الماضي جرى لقاء بين وزيري خارجية ودفاع الحليفين، تمت خلاله مواصلة النقاش حول اتفاقية أمنية. في البيان النهائي، جاء أن اليابان: »تقوم بإعادة النظر في السند القانوني الدستوري لأوضاعها الأمنية بما في ذلك ممارسة حقها في الدفاع عن النفس وعن الحلفاء. كما تنظر في زيادة موازنتها الدفاعية ومراجعة الخطوط الرئيسية لتوجهاتها الدفاعية الوطنية«. واضح أنها في صدد شطب المادة التاسعة من الدستور وبالتالي العودة إلى إحياء قدراتها الحربية. ورحبت في البيان ذاته »بكل هذه التوجهات«.

نقلة نوعية

من الواضح أيضاً أن هذه النقلة النوعية اليابانية الأولى منذ فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، جرت بمباركة واشنطن. بل هي خطوة جرت هندستها بصورة مشتركة، باعتبارها تخدم مصلحة استراتيجية واحدة تتمثل في »ضبط الفوران الإقليمي الصيني وإدخاله في عملية سباق تسلح مكلفة«. ويقول الخبراء إن اليابان مرشحة لمنافسة بكين قريباً لكونها تملك القاعدة الصناعية المتقدمة. بل وقد تستعين بالتكنولوجيا الأميركية المتفوقة وإن في مجالات محدّدة، لتطوير آلتها العسكرية بسرعة.

ويعكس هذا التوافق بين واشنطن وطوكيو فلسفة أوباما الدفاعية التي تقوم على الاستعانة بالحلفاء لمحاصرة الخصوم وبما يبقي التدخل الأميركي محصوراً في أدنى حدوده. خاصة في زمن تتقلص فيه موازنة البنتاغون وإن كانت لا تزال أكبر من موازنات دفاع الدول الكبرى مجتمعة. ويذكر أن موازنة اليابان العسكرية آخذة في التزايد أخيراً، وتبلغ 47 مليار دولار للعام المقبل. في حين تخصص الصين لهذا العام حوالي 120 ملياراً لأغراضها العسكرية.

مخاطر التوجه الأميركي

لكن لهذا التوجه الأميركي مخاطره، في رأي أوساط تحذر من عودة الروح إلى العسكرية اليابانية. فالمراجعة للدور والحضور العسكري الياباني، تأتي في ظلّ انتعاش خطاب قومي لا يتردد في »تجميل تاريخ الحروب اليابانية بحيث ينشأ أطفالنا على الاعتزاز بماضينا« كما يقول شينزو آبي، رئيس الحكومة اليابانية.

وفي مثل هذا التجهيل للماضي العسكري الياباني، »يكمن خطر تكراره« في المستقبل. ثم هناك حقيقة أخرى، يقول المحلل رون فرايزر، تتمثل في أن طوكيو »قد قامت تحت غطاء المادة التاسعة من الدستور ببناء واحد من أقوى الجيوش في العالم ويتمتع بقدرات تفوق بكثير متطلبات الدفاع عن النفس«.

مشروع الإطاحة بالمادة التاسعة من الدستور، في طريقه للتحول إلى قانون في مطلع الخريف المقبل، بحيث من المتوقع أن يقره البرلمان الياباني بمجلسيه، والذي يسيطر فيهما حزب رئيس الحكومة على الأغلبية. وبذلك تدخل اليابان مرحلة جديدة لا تقود بالضرورة إلى حروب ومواجهات، لكنها بالتأكيد ستقود إلى حرب باردة على قاعدة سباق تسلّح، مع الصين وإلى حدّ ما مع كوريا الجنوبية، التي لم تخف عدم ترحيبها بهذا التوجه الياباني. حساسيات الماضي عميقة بين طوكيو والكوريتين وتعود إلى تاريخ الاحتلال الياباني لشبه الجزيرة قبل الحرب الثانية.

إشغال الصين بهذا التحوّل، يريح واشنطن. لكنه لا يضمن إبعاد الصداع عنها. تنافس قوتين على درجة عالية من الاقتدار وفي ظلّ توتر ونزاعات تحكم علاقاتهما وطموحاتهما الجيو استراتيجية، يبقى الوضع مفتوحاً على الصدام الذي لو حصل، لوجدت واشنطن نفسها في وضع أصعب، خاصة وأن هناك اتفاقية دفاع مشترك تربطها مع اليابان.

المراهنة على مثل هذا التوازن الدقيق والساخن في آن بين الصين واليابان، يحمل مخاطره في ثناياه. »ففيما تمارس واشنطن ازدراءها للتاريخ، تقوم بالتفكيك المنظم للمعوقات التي جرى وضعها لتلافي وقوع حروب أخرى«، كما يقول المحللون.