في أواخر يونيو قبل مئة سنة، اندلعت الحرب العالمية الأولى. أثارت المناسبة عودة بعض المؤرخين والخبراء والباحثين الأميركيين إلى تفسير مسبباتها، وشرح العوامل التي أدت إلى انفلاتها، لتشمل القارة بمجملها. في هذا السياق، تطرق الحديث إلى مقارنة ظروف منطقة البلقان التي انفجرت فيها تلك الحرب، وبين منطقة الشرق الأوسط المشتعلة فيها نار النزاعات والحروب المحلية، المستقوية بالخارج.
ثمة من يرى في الوضعين الكثير من أوجه الشبه، التي يمكن أن تقود الشرق الأوسط إلى توسيع دائرة الاشتباك، بحيث يتحول إلى خليط من الصراع الإقليمي والدولي، وبما يجعله عصياً على السيطرة. في المقابل، ثمة من يقول إن القوى الكبرى، رغم تنافسها الحاد على المنطقة اليوم، لا رغبة لديها للاندفاع نحو الصدام، كما كان الأمر في تلك الحرب الشرسة المفجعة التي حصدت ملايين البشر، من بينهم عشرات الآلاف بالسلاح الكيماوي، الذي استخدمه الفرنسيون والألمان في البداية، حسب التوثيقات المعتمدة.
وبالمناسبة، تجدّد ذكر هذا السلاح، حيث صادف أن غادرت آخر شحنة من السلاح الكيماوي السوري ميناء اللاذقية في يوم حلول الذكرى المئوية هذه، وإن كانت نسبة 8 % منه تعذر الوصول إلى مخازنها بسبب الظروف الأمنية. وربما تكون سوريا قد احتفظت بكميات أخرى من غاز الكلورين والخردل، بعد أن جرى إخفاؤها عن المفتشين، حسب التشكيكات الأميركية.
أوجه شبه
المتخوفون، يرون أن أوجه الشبه لافتة وهامة، ولا يجوز الاستخفاف بها. فالشرق الأوسط اليوم « برميل بارود، تماماً كما كان عليه البلقان قبل مئة سنة، وبالتالي، فهو قابل، وبسهولة، للخروج عن السيطرة، كما جرى في 1914»، يقول جون ماكلوغلن نائب مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية سي آي إيه، سابقاً:
«هناك الآن علاوة على ما سبق، منافسة جيو – سياسية بين الولايات المتحدة والصين، تشبه في بعض أوجهها ما كان حاصلاً قبل 100 سنة، بين الإمبراطورية البريطانية التي كانت على حافة الهبوط، وبين ألمانيا الصاعدة»، كما قال في إشارة إلى بيئة التنافس الدولي، باعتبارها من العوامل التي تعزّز مناخات التصادم بشكل عام. ثم يشير ماكلوغلن إلى جانب مشابه آخر، ولو بعيد.
كان من المفترض أن يشكل صمام أمان ضد الانفجار، لكنه لم يصمد، بل ربما ساعد على التأجيج. وهو واقع «العولمة»، في ذلك الوقت «ساد الاعتقاد أن الترابط بين مصالح البلدان، بحكم انفجار الآلة الصناعية، من شأنه أن يحميها من الحروب، لكنه لم يفلح. واليوم يسود الاعتقاد بأنه يمكن الركون إلى العولمة وتشابك المصالح، كضمان ضد حدوث «كوارث الحروب»، لكنها قد لا تحمي من مثل هذه الكوارث.
وفي هذا السياق، يستطرد الأستاذ الجامعي، والتر راسل مييد، فيقول بأن «وجه الشبه الأكبر بين بلقان 1914 والشرق الأوسط اليوم، يتمثل في التزاوج السيئ بين حدود الدولة والقومية. فالهوية والثقافة واللغة وغيرها مما نراه اليوم في الشرق الأوسط، كلها تقف وراء الكثير من النزاعات، مثل النزاع السني الشيعي، وقضية الأكراد، والصراع الفلسطيني الإسرائيلي». ويضيف أن «القوى التي تمعن اليوم في التمزيق، هي ذاتها التي قامت بتمزيق الإمبراطوريات في بداية الحرب العالمية الأولى».
فارق أساسي
لكن في المقابل، هناك من لا يرى الأمور بأنها محكومة بالضرورة بالنتائج نفسها، لكونها متشابهة في المقدمات. جفري واورو مؤلف كتاب عن الحرب الأولى، يقول إن البلقان يومذاك كان منطقة متنازعة عليها بين الإمبراطورية النمساوية – الهنغارية، وبين روسيا الطامحة في السيطرة على شرق المتوسط. وهذا هو الأمر بالنسبة للشرق الأوسط، لكن مع فارق أساسي.
وهو أن «القوى الكبرى تعبت من الشرق الأوسط. ورغم مصالحها النفطية والأمنية، إلاّ أنها لا تبدو على استعداد لسلوك طريق 1914». لكن لهذا استثناء. «فهناك أمور لا تسمح بها الدول القادرة. فمثلما لم تسمح بريطانيا بالوجود الألماني في القناة المائية التي تفصلها عن فرنسا، فإن إيران لن تسمح في النهاية، بهزيمة جار شيعي مجاور لها. ولا السعودية تسمح بقيام هلال شيعي»، كما يقول ماكلوغلن.
ليس محتوماً أن يؤدي تشابه ظروف المنطقة اليوم مع ما كانته ظروف البلقان قبل مئة سنة، إلى حرب عالمية ثالثة. ولو أن عناصر الشبه، خاصة من حيث قابلية التفكك. فالضوابط والموانع موازية وكثيرة، بدءاً من الرادع النووي، إلى قدرة القوى الفاعلة على خوض حروبها في المنطقة بالوكالة. لكن ما لا تختلف حوله دوائر الرصد الأميركية، هو أن انهيارات المنطقة مفتوحة على ويلات ذاتية مرعبة، إذا بقيت تسير في وجهتها الراهنة.
