فتحت محنة العراق باب الجدل من جديد، في واشنطن، حول ماهية الاستراتيجية الأصوب والأنسب للانسحاب بعد حروب الغزو والاحتلال. أيهما أقل خطراً: الانسحاب الكامل الناجز أم التدريجي؟ هل أسهمت مغادرة القوات الأميركية العراق دفعة واحدة عام 2011 في مراكمة مسببات الانفجار الأخير؟ هل كان من الممكن تدارك الانهيارات الجارية لو احتفظت واشنطن ببقايا قوة عسكرية هناك لبضع سنوات؟ ثم هل سيتكرر المشهد في أفغانستان بعد الانسحاب الأميركي المقرر في 2016، خاصة إذا لم يتم التوصل إلى اتفاقية أمنية أميركية- أفغانية، كان الرئيس كرزاي قد رفض التوقيع عليها؟
أسئلة تقلق المسؤولين والمراقبين الأميركيين، في ضوء ما يشهده العراق واضطرار محامي الانسحاب، الرئيس الأميركي باراك أوباما، إلى التراجع- الذي أصبح ملازماً لسياسته الخارجية- وإرسال قوة عسكرية إلى هناك، بصرف النظر عن حجمها ودورها ورمزيتها. وثمة من يتخوف من أن تؤدّي هذه العودة إلى التمادي فيها، بحيث تصبح فعالية دور القوات التي أرسلها الرئيس مرهونة بتعزيزها..
ورفع عددها وفقاً لما تقتضيه الظروف المرشحة للمزيد من التفاقم، فهو وافق أولاً على عودة 275 من الخبراء والمستشارين العسكريين إلى بغداد، ثم ألحق بهم 300 عنصر آخر، وربما غداً أو بعده تضغط الحاجة لإرسال دفعات أخرى بداعي تحقيق المهمة. هكذا حصل التورط في فيتنام، ولو أن تجربتها لا تقارن بالعراق، لكنه جرى إرسال دفعة بعد دفعة من الخبراء والقوات، والباقي تاريخ.
ويزيد من ثقل هذه الهواجس أنها تستحضر الوضع الأفغاني بعد الانسحاب المقرر في 2016، ومقارنته مع الجاري في العراق، ولو أن الإدارة والبنتاغون تستبعدان بقوة إسقاط الصراع الدائر في العراق على الوضع الأفغاني «لاختلاف الوضعين والتاريخين والتركيبتين الطائفية والاجتماعية »، فضلاً عن أن أداء القوات الأفغانية أفضل، وأن هناك قوة ولو محدودة العدد والدور ستبقى بعد الانسحاب من أفغانستان،
لكن مع وجاهة الفوارق بين الساحتين، إلاّ أنه لا ضمانة بألا تتحول أفغانستان إلى عراق آخر غداة الانسحاب المقرر في 2016. الجهات الأميركية المعنية متباينة في تقديرها للمرحلة اللاحقة. البنتاغون تميل في توقعاتها إلى التفاؤل. أجهزة الاستخبارات، على تنوعها، تبدي ارتيابها في هذا الشأن. لا تستبعد أن تغرق أفغانستان في حالة مشابهة لما يجري في العراق. ويأخذ الكثيرون على البيت الأبيض تحديده المسبق لموعد الانسحاب، بذلك أسقط من يده ورقة الإرباك، وترك الخصم يقوم باستعداداته اللازمة وفق برنامج محدد، للتعامل مع الفترة المقبلة ومعطياتها المكشوفة.
بالنسبة للعراق، يرى فريق كبير من الخبراء والمحللين، ومنهم السفير الأميركي السابق في بغداد راين كروكر، أن :« البيت الأبيض يدفع الآن، في مأزقه، ثمن خروجه الكامل والمتسرع من العراق». وفق هذا الرأي كان على الإدارة السعي الفعّال لإيجاد صيغة تضمن بقاء قوة عسكرية بعد نهاية الاحتلال ولغاية أن ينهض العراق على قدميه، سياسياً وأمنياً واقتصادياً،..
والمغامرات العسكرية، التي ورثتها، وأن بغداد هي التي رفضت القبول بشروط الحدّ الأدنى لإبقاء قوة أميركية رمزية بعد الانسحاب.
الجدل غير محسوم، حول استراتيجية الانسحاب، كيفما جرت هي تنطوي على إشكالات وتحديات بالغة، الإسراع في الانسحاب، كما جرى في الحالة العراقية، ربما عجّل بتعاظم الاحتقان، وبالتالي تجميع العوامل المؤججة للتفجير، تحديد سقفه الزمني، كما في أفغانستان، قد يسهم هو الآخر في جعل الانسحاب عملية لا تخلو من المجازفة، لكنها بالنهاية حتمية.
أكثر ما يقلق إدارة أوباما أن تكون المغادرة مشحونة بعوامل الرجعة، أراد أن يكون قفل باب الحروب أهم عناصر تركته، لكن ما أن خرج حتى لاحقته الأزمة العراقية. والآن يخشى من تكرار السيناريو نفسه في أفغانستان. قيل وردد أوباما القول، إن الدخول في الحروب سهل، الصعوبة في الخروج منها. صحيح أن غيره دخلها، وترك له مهمة مغادرتها، لكنه أسهم هو أيضاً في تعزيز ظروف العودة إلى العراق، من خلال التمادي في تجاهل الأزمة السورية، كما في احتضان نوري المالكي.
