أثار سقوط الموصل وتمدّد «داعش» المفاجئ والسريع ما يشبه التسونامي من السجال والجدل في واشنطن، حول الأسباب والنواقص والأعطاب في السياسات والمقاربات والردود المتعلقة بالحدث وتداعياته، كما بمواجهة التطرف في المنطقة. وجاء ذلك على خلفية النقاش والمآخذ على سياسة إدارة الرئيس أوباما تجاه الأزمة السورية وارتباكها بخصوص ما تسميه الحرب على الإرهاب والتطرف. وقد تجلّى ذلك في سلسلة من المواقف والسياسات، التي اعتمدها أخيراً، والتي أتت متباينة بين حالة وأخرى، بل متضاربة مع بعضها البعض.

استراتيجية الشراكة

قبل أسبوعين كشف أوباما في خطابه الذي ألقاه في كلية «ويست بوينت» العسكرية، عن تبنيه لاستراتيجية «الشراكة» مع الحلفاء والشركاء، في خوض هذه الحرب. أعلن يومذاك عن تأسيس صندوق خاص بقيمة خمسة مليارات دولار، من أجل تسليح وتدريب قوات الدول الحليفة لتقوم بالدور المباشر في هذه المواجهة.

وقد أحال المشروع إلى الكونغرس لإقراره. في الوقت نفسه امتنع الرئيس الأميركي عن تزويد المعارضة السورية «المعتدلة»، المحسوبة في خانة الحليف، بالسلاح اللازم. الذريعة أن واشنطن تخشى وقوع هذا السلاح بيد «داعش» و«جبهة النصرة» وغيرهما من القوى المتطرفة على الساحة السورية.

ثم جاءت قضية الموصل وما تلاها، لتكشف مرة أخرى عن هشاشة الاستراتيجية، عندما انهزمت قوات الشريك الحكومي العراقي، وهربت مهرولة من ساحة المواجهة، بعد سنوات من التدريب وكم هائل من التسليح الأميركي، تفيد المعلومات المتداولة أن كلفتها بلغت حوالي 25 مليار دولار. ومع ذلك تعتزم واشنطن تزويد حكومة المالكي بالأسلحة، ولو بشروط لا يبدو أنها جدية ولا رغبة في تطبيقها، مثل مطالبته بالإصلاحات وفتح الباب أمام حكومة تشمل كل القوى، على اعتبار أنه «شريك» في التصدي للتطرف.

الشريك المتوفرة فيه شروط الشراكة كما أثبتها على الأرض في مقاتلة المتطرفين، لا يحظى بما تقتضيه هذه الشراكة من دعم وتسليح. والمفترض أنه شريك، مع أنه لا تتوفر لديه مواصفات هذا الموقع، ينال من الدعم بدون حساب. وبذلك تبدو «شراكة» أوباما استنسابية. وهنا يكمن عطبها الأساسي. بل هي مشوبة بأكثر من نقص، مما يجعلها غير فعالة.

«عيبها أنها تتعامل مع شركاء غارقين في العيوب» كما يقول دانيال بايمن الأستاذ في جامعة جورج تاون. فعلى سبيل المثال: «القوات التي دربتها واشنطن في مالي هي التي قامت بالانقلاب العسكري».

وهكذا الحال في العراق حيث «دأب المالكي المستند إلى قوات تدرّبت وتسلّحت على يد الأميركيين على استبعاد العناصر السنية المعتدلة من الحكم، مما جعل هذه الجهات أكثر تعاطفاً مع المتطرفين» حسبما يقول بايمن.

وتجدر الإشارة إلى أن رئيس الحكومة العراقية تعرّض لانتقادات قاسية، وجرى تحميله جزءاً من مسؤولية التطورات الأخيرة. كما شملت هذه الانتقادات البيت الأبيض الذي تهاون مع تمادي المالكي.

زيادة التحدي

نظرية الشراكة، في صميمها، هروب. مهمة مطاردة التطرف وجد لها سبيلان: طائرة «درون» من الجو وقوات «الحلفاء» على الأرض. لكن التجربة السورية كشفت عن عطل هذا التوجه. لا سمح بالخيار الجوي ولا وافق على تمكين الحليف. والآن في العراق يكبر التحدّي، فيما تتردد الإدارة باستخدام الطائرة بلا طيار وفي الوقت ذاته حذرة في التعامل مع حليف محرج لها.

لكنها مدفوعة بسياسة البديل الذي يعفيها من مغبّة التورط، تتجه نحو حبك «شراكة ما» مع طهران، لمواجهة «داعش».

المحافظون وحتى المتفهمون لهذا الخيار يحذرون من العواقب. فمثل هذا التعاون مهما تحدّدت خطوطه يبقى مفتوحاً على تكاليف لاحقة. ليس هناك دور من غير ثمن.

وبذلك يسير مذهب «الشراكة» الذي طرحه الرئيس أوباما على حبل مشدود. فهو لا يرغب في دخول الباب العراقي مجدداً، بعد أن سبق واعتبر إغفاله مأثرة، وفي الوقت نفسه، لا يقوى على الانسحاب تماماً وترك الساحة للاقتسام، بعد أن «بذلت فيها أميركا الكثير من المال والأرواح» كما قال. يقول روبرت كاغن، أحد الكتاب المحافظين: «القوة العظمى لا يمكنها أن تتقاعد».

أوباما يقول: لكن يمكنها الابتعاد والعمل من بعيد وبالوكالة.