عشية مغادرة الرئيس الأميركي باراك أوباما في جولة أوروبية، دعا حلفاءه هناك إلى "مواصلة الضغط على روسيا " لوقف تدخلها في أوكرانيا. المقصود مطالبتهم بتعزيز العقوبات الاقتصادية ضدّ موسكو. لكن أوروبا الحليفة القديمة ليست في هذا الوارد، ليس فقط لأن ذلك يتعارض مع مصالحها الواسعة مع روسيا، خاصة ألمانيا، الأغنى والأقوى من بينهم، بل أيضا لأن العلاقة الأوسع بين طرفي الأطلسي باتت مخلخلة.
فلا واشنطن تحتل كما كانت موقع الرعاية والقيادة الأطلسية، كما كانت في زمن الحرب الباردة، خاصة في السنوات الأخيرة حيث بات التراجع على الأقل هكذا بدا السمة الغالبة لسياستها الخارجية، ولا القارة الأوروبية في حالة من التماسك والعافية تجعلها تستجيب لنداء أوباما.
ليس ذلك فحسب، بل في الآونة الأخيرة تراكمت سلبيات جديدة رفعت من منسوب النفور والفتور المتبادلين. من بينها انكشاف فضيحة التنصت الأميركي على القيادات الأوروبية، وخاصة الأقرب منها إلى واشنطن.
وبرغم الاستياء الذي أبدته هذه الجهات، خاصة المستشارة الألمانية ميركل، ما زال البرنامج على حاله وإن يكن بدرجة مخففة. يضاف إلى ذلك أن الخلافات والحساسيات ازدادت بين الجانبين في السنوات الأخيرة، حول موازنة "الناتو" بزعم أن دول الحلف الأوروبية لا تنفق النسبة المترتبة عليها من هذه الموازنة. مطلب لا يتقبله هؤلاء في ضوء الظروف الاقتصادية القائمة، خاصة وأن طرفي الحلف صار لهما مقاربتاهما المتميزتان لوظيفة ودور هذه الصيغة التي استولدتها الحرب الباردة. حتى ملف " الاتفاقية التجارية " بين حليفي الأطلسي ما زال عالقاً وعصياً على الحسم.
وإذا كان ذلك لا يكفي، فقد أخذت الأوضاع الأوروبية شحنة ملحوظة من الانطواء على النفس، تمثلت بتنامي التيار اليميني الانعزالي في أكثر من ساحة، على حساب صيغة الاتحاد، والذي يخشى معه من توسّع الشقوق في جدار الاتحاد الأوروبي. وقد انعكس ذلك في الانتخابات الأخيرة للبرلمان الأوروبي. في فرنسا حصد اليمين 25% من الأصوات، وفي ألمانيا عاد الحزب النازي إلى الإطلال برأسه. وكذلك برز الانغلاق في بريطانيا.
وذهبت هذه القوى في ابتعادها عن الاتحاد كما عن واشنطن، إلى حدّ إبداء إعجابها بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين وعصبيته القومية. صعود أثار القلق لدى دوائر أميركية بدأت تتحدث عنها بلغة التحذير والتخوف، وتدعو البيت الأبيض إلى الإسراع في "جعل مستقبل أوروبا الاتحاد محور سياسته الخارجية". فهذه العلامات جدّية وجاءت في جانب منها كنتيجة لحالة الضيق والتخبط الاقتصادي الأوروبي، الذي تربطه القوى الانعزالية بصيغة الاتحاد ووحدته النقدية التي يقول البعض إنها حصلت قبل وقتها.
ومثل هذا الخطاب قد يكون في الظروف الصعبة الراهنة، جذاباً لشرائح أوروبية هامة مع ما ينطوي عليه من تحريض على الاتحاد والعودة إلى المناخات القومية الضيقة والمتنافرة والتي قادت إلى المآسي الأوروبية في القرن الأخير، كما يحذر المتخوفون.
لذا دعا هؤلاء الرئيس أوباما لأن لا تكون أوكرانيا والرد على موسكو البند المركزي لجولته الأوروبية ولاجتماع الدول الصناعية السبع في بروكسل، بل أيضاً " التأكيد على الحاجة لخطوات بنّاءة " ينبغي القيام بها بين طرفي الأطلسي، مثل إبرام الاتفاقية التجارية. ليس ذلك فحسب، بل على الرئيس "أن يتعدّى الشأن الاقتصادي وبما يكفل تجديد التزام الجانبين بأمور جوهرية" جامعة، كما يدعو، بروس أكرمان أستاذ العلوم السياسية بجامعة ييال الشهيرة، في كتاباته الأخيرة. كلام يؤشر إلى نوع من الترهل داخل الجسم الأوروبي، كما في علاقته مع واشنطن.
المفارقة أن واشنطن التي كانت توفر الغطاء والضمان لأوروبا أثناء الحرب الباردة، صارت تعوّل على أوروبا للوقوف بوجه موسكو بوتين، الأقل من موسكو العملاق السابق. والقارة الحليفة غير قادرة ولا راغبة، وبالكاد تقوى على معالجة معضلاتها الاتحادية.
وهي لا ترى في الالتزامات الأميركية لأوروبا الشرقية بخاصة غير ترجمات رمزية، كما تبين أثناء الأزمة الأوكرانية؛ حيث اكتفت واشنطن بإرسال عدة مئات من الجنود الأميركيين و16 مقاتلة أف 16 إلى بولندا وبلدان البلطيق بغرض التطمين .. غير المطمئن. والرئيس أوباما ما فتئ يردد بأنه ذاهب إلى أوروبا للتأكيد على التزامات أميركا تجاه حلفائها. كلام لا يقبضه الأوروبيون ولا يتوقف بوتين عنده كثيراً.
