الانتخابات الهندية الأخيرة، التي فاز فيها الهندوسي المتشدد ناراندرا مودي، تتعدّى التغيير الحكومي الدوري، فهي تحمل معها عوامل تحول استراتيجي في خيارات البلاد، الداخلية والخارجية. ولم يكن في ذلك ما يستوجب بعض الحذر الذي أعربت عنه مختلف الدوائر الأميركية، لولا خلفية الرجل القومية المتزمتة، وقناعاته ومنطلقاته المعروفة. فهو إذ حظي بالترحيب لجهة كونه من دعاة تعزيز اقتصاد السوق وعالم الأعمال..

إلاّ أن خطابه السياسي وسوابقه الطائفية، أثارت ردود فعل متحفظة في أحسن الأحوال. فهناك خشية من أن يحكم بعقلية ضيقة مبنية على التمييز في الداخل والتعالي في الجوار، لا سيما وأنه سبق له أن مارس هذا التوجه عام 2002 كرئيس لحكومة ولاية غوجارات، حين امتنع عن اتخاذ الإجراءات الأمنية اللازمة لوقف أعمال الشغب والعنف ضد مسلمي الولاية..

والتي أدّت إلى سقوط حوالي ألف قتيل من بينهم. والبعض يقول إنه ساهم في التشجيع عليها. موقف حمل إدارة بوش آنذاك على حظر دخوله إلى الأراضي الأميركية، وبقيت واشنطن ممتنعة عن منحه تأشيرة دخول منذ ذلك الحين. الرئيس أوباما سارع إلى فتح صفحة جديدة بدعوته لزيارة واشنطن. تريده كشريك استراتيجي لها في المنطقة.

أنهى فوز مودي مرحلة حكم حزب المؤتمر الذي سيطرت عليه عائلة غاندي نهرو التاريخية حوالي ستة عقود. وثمة من يرى أنه من الصعب على هذه السلالة استعادة المبادرة وانتشال الحزب من كبوته، بعد هزيمة أمس. فهي أصيبت أخيراً بالشح القيادي. ترهّلت..

كما بدا على حملتها الانتخابية. ثم إن أحوال الهند تراجعت في السنوات الأخيرة، بعد أن كادت تدخل في مرحلة نمو متصاعد، ما لبث أن انكفأ إلى حال من الانحسار المؤدي إلى ارتفاع معدلات البطالة والتعثر الاقتصادي. وعلى هذه الخلفية، جاء رفض الاستمرارية واستبدالها بقيادي يرفع شعار بناء الهند ووضعها في مكانتها التي تستحقها.

خطابه لا يخلو من نبرة شوفينينة، لقيت التجاوب كبديل لواقع اتسم بالعجز، من جانب الرأي العام الهندي، الذي رأى في مقاربة مودي ما يشدّ عصبه ويرسم له مستقبلاً واعداً. وقد انعكست ردة فعله الناقمة في نسبة الإقبال العالية على صناديق الاقتراع، إذ بلغت 66 %.

لكن رئيس الحكومة الجديد ليس فقط رجل تحفيز اقتصادي معجب بالتجربة الصينية من هذه الناحية. لكنه أيضاً سياسي محترف ذو سمعة «غير حسنة». ثم أنه «لا يتقبّل النقد أو الرأي الآخر» بسهولة. وأكثر ما يؤخذ عليه أنه يحيط نفسه بهالة تعزّز عبادة الشخصية لديه. كل هذا يرافقه خطاب ممعن في هندوسيته، تجاه الداخل والخارج معاً.

وهنا يكمن الجانب المقلق في زعامته. خاصة وأن الناخب الهندي منحه تفويضاً واسعاً. الأمر الذي قد يحمله على تعزيز مركزية الحكم وممارسته من منظار قومي غير متساهل، ولا يأخذ في الاعتبار مصالح وحقوق الأقليات. خاصة المسلمين الذين يبلغ عددهم حوالي 165 مليون نسمة. كما قد ينزلق إلى التعامل مع الجوار الساخن، بالعقلية نفسها. فالمنطقة تمر بحالة من التوتر العالي في علاقات معظم دولها ببعضها.

وبما استحضر تاريخها المشحون بالعداء القومي، وخاصة الصين واليابان، الكوريتان، الصين وفيتنام، ومشكلات بكين مع الفلبين وكوريا الجنوبية وغيرهما، حول التخوم البحرية وحقوق السيادة على مساحات مائية، تقول التقديرات إنها غنية بموارد الطاقة. والأخطر هو النزاع الكشميري الهندي الباكستاني، والعمليات المسلحة التي كادت أن تزج البلدين في مواجهة عسكرية في السنوات الأخيرة.

ومما قد يشجع النزعة الأحادية لمودي، أنه ليس وحيد زمانه في مثل هذا التوجه. ففي اليابان قيادة تحاكي الماضي الإمبراطوري للبلاد. تقابلها نزعة مماثلة في عصبيتها القومية. وكذا في فيتنام، كما بدا أخيراً، في احتكاكها البحري مع الصين. كذلك الأمر في موسكو، حيث يتصرف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من موقع حاد في روسيته، ومن موقع السعي لاستعادة شيء من المجد السوفييتي.

فالمرحلة تبدو وكأنها محكومة بنزوع العديد من بين الكبار إلى تأكيد موقعه وهويته وفق حجمه أو تاريخه، ولو كان في الأمر قدر من المجازفة واحتمال الدخول بصدامات خطيرة في الداخل كما الخارج. والوضع الهندي الجديد ينتمي، من حيث المواصفات، إلى هذا التيار. فالهند التاريخية التي تزعمت حركة عدم الانحياز في أواسط القرن الماضي، دخلت في مرحلة جديدة، قد يكون الانحياز في صميم توجهاتها. يبقى السؤال الذي طرحه أحد المحللين: هل يكون مودي رائد العملقة الاقتصادية الهندية، أم نسخة عن بوتين المفرط في قوميته الضيقة؟