لو كانت أسهم الرئيس أوباما الخارجية متداولة في البورصة، لكان سعرها الأسبوع الماضي قد ضرب الرقم القياسي في الهبوط. ومع انهيار المفاوضات الفلسطينية- الإسرائيلية، شهدت واشنطن نوعاً من عملية جرد الحساب في ضوء الفشل المتلاحق لسياسته الخارجية، التي باتت مكلفة لرئاسته، كما للقوة العظمى.
قبل المفاوضات انهار مشروعها في جنيف- 2، ثم جاءت أوكرانيا، وعدم القدرة على ردع بوتين. وقريباً يحلّ استحقاق النووي الإيراني، الذي لا ضمان حتى الآن بوصوله إلى خواتمه المنشودة. طموحات أوباما ومقارباته الخارجية تهاوت الواحدة تلو الأخرى.
رصيده الرئاسي في هذا المجال وصل إلى أدنى درجاته، 38% حسب آخر استطلاعات الرأي. خصومه وحتى بعض أقطاب حزبه الديمقراطي، انهالوا بالنقد، وتسجيل المآخذ على تعامله الخائب مع الملفات الدولية وخصوصاً الشرق أوسطية الساخنة، مع اتهامه بالقصور والارتباك. المفارقة أنه ليس من بينهم من يملك البديل. ولا من يدعو إلى عراق آخر. ولا الرأي العام الأميركي في وارد دعم أي تدخل خارجي.
مع ذلك هناك تململ داخل الإدارة، كما في صفوف النخبة الأميركية المعنية بالشؤون الخارجية والاستراتيجية، لناحية أن هناك عطباً ما في نهوض الدولة العظمى الوحيدة « بدورها القيادي»، وربما أن الخلل يكمن في عدم القدرة على التوفيق بين متطلبات القيادة الدولية، وبين الإقلاع عن التدخل العسكري الخارجي. حلقة مفقودة، يجري البحث عنها، فيما تتزايد خسائر واشنطن على الساحة الدولية.
جدل أميركي
يدور الجدل الأميركي بين ثلاث مدارس في هذا الحقل، الأولى في السلطة ويمثلها، الرئيس أوباما، عنوانها « الواقعية » المبنية على فلسفة الحوار لتسوية النزاعات، التي تسترشد بالوقائع والمعطيات القائمة على الأرض.
يعزّز خطابها أن بديلها الذي اعتمد على المغامرات العسكرية، جرّبته أميركا في العقد الأخير، واكتوت بناره، وبما فيه الكفاية، التي تفرض التخلي عنه، خاصة في عالم مضطرب لم تستقر بعد معادلاته الدولية، لذا طوت الإدارة صفحة حربين وحظي توجهها بتأييد 70%، وأكثر من الأميركيين، الذين تعبوا من الحروب وكلفتها الباهظة، لكن مع ذلك تعاملت إدارة أوباما أحياناً مع الأحداث بقاعدة الاستنساب.
اعتمدت الخيار العسكري في ليبيا، وفي مطاردة طالبان بطائرة «درون » في باكستان، وكادت أن تلجأ إلى هذا الخيار في سوريا. تراجعها عنه في اللحظة الأخيرة سبب لها الإحراج. « الخط الأحمر » شطب على سياسته الخارجية باللون الأحمر. وانكشفت معه مصداقية الردع، الذي تملكه، ويرى فريق من المراقبين أن ذلك لعب دوره في تشجيع بوتين على ضمّ القرم، ومواصلة العمل على زعزعة أوكرانيا.
المدرسة الثانية، التي يمثل رموزها عتاة المحافظين الناطقين بلغة التعصب الأميركية، وما تحمله من حنين إلى الماضي، أحادية النظرة. لا يقارب أصحابها حل الأزمات إلاّ عبر القوة العسكرية الأميركية، إما المباشرة وإما عبر تقديم الدعم العسكري للقوى، التي تقاتل ضد أنظمة وسياسات، مثل سوريا وموسكو.
يؤخذ عليها أنها صاحبة نظرة جامدة، تتعامل مع المشكلات كافة بلغة واحدة، لأنها تعيش في الماضي، وترفض دروس التجارب الأخيرة. ترى في دبلوماسية أوباما ذروة التراخي، وتحمّلها مسؤولية تآكل الهيبة الأميركية، تغمض عينيها عن كوارث مغامرة بوش في العراق، وخطابها ليس له صدى مسموع على الساحة الأميركية، ولو أن مآخذه على إدارة أوباما لها ما يبررها.
الثالثة، هي المدرسة الدولية، التي تتعاطى مع الأزمات الخارجية من زاوية أن على الولايات المتحدة عدم التفريط بموقعها القيادي، مع كل ما يتطلبه ذلك من ضرورة التصدّي لأية محاولات أو توجهات أو سياسات، يمكنها الانتقاص من هذا الموقع، ودوره على الساحة الدولية، ولوحظ أن بعض رموزها صعّد في الأيام الأخيرة خطابه إلى درجة حثّ الإدارة على ضرورة تزويد الأوكرانيين بالسلاح لمقاومة التمدد الروسي.
اختلاط الأمر
مما لا ريب فيه أن واشنطن اختلط عليها الأمر بين مغادرة سياسة التدخل الخارجي بصورة أو بأخرى، وبين الاحتفاظ بموقعها كونها دولة عظمى، عليها مواجهة لزوميات القيادة الدولية. أحداث المرحلة جعلت من الصعب أحياناً الفصل بين الاثنين. أوباما لا يقوى على التخلي عن الموقع، لكنه في غير وارد النهوض بموجباته إذا اقتضى الأمر.
سوريا، مثال بارز، والآن يواجه معضلة أكبر في أوكرانيا. هنا لا يملك الاستمرار في التفرج. في الوقت ذاته، فإن خياراته قليلة، وليس لها مردود مباشر وسريع. للقوة العظمى امتيازاتها، وأيضاً محدوديتها المربكة والمحرجة، ربما هذا زمن أزمات الكبار: واحدة تعاني العجز، والأخرى من الانتفاخ المحكوم بالتنفيس.
