باتت ورقة العقوبات سلاح إدارة أوباما في التعامل مع الأزمات الناشبة في غير مكان من العالم. الخيار العسكري لم يعد واردا في حساباتها، برغم تذكيرها أحياناً بان "كل الأوراق على الطاولة ". سلاح فعّال في حالات، مثل إيران. وبلا جدوى في حالات مثل كوريا الشمالية وسوريا. وصعب فرضه على بلدان مثل الصين، لو فجّرت هذه أزمة الجزر مع اليابان.
في اللحظة الراهنة تبرز روسيا كمرشح للاستهداف بعقوبات مؤذية، ردّاً على ما تقوم به في أوكرانيا. ليست هذه هي المرة الأولى، فقد سبق وتعرضت موسكو لمقاطعة الغرب ايام الاتحاد السوفياتي. لكن في ذلك الوقت كانت خارج المنظومة المالية الرأسمالية الغربية. وبالتالي كانت العقوبات غير ذي تأثير مباشر عليها. الآن المسألة مختلفة. روسيا في صميم النظام المالي العالمي الذي تمسك واشنطن بتلابيبه. فرض عقوبات متصاعدة عليها قد تؤدي إلى انسداد شرايين هامة في اقتصادها.
العقوبات الجزئية أدت حتى الآن إلى تدهور أسعار البورصة الروسية مع هبوط في قيمة الروبل. إذا تطورت العقوبات ورافقها نوع من الخفض التدريجي لتعويل أوروبا على مصادر الطاقة الروسية، التي تلبي ثلث احتياجات القارة؛ عندئذ تصبح موسكو بين خيارين: إما التراجع في اوكرانيا وإما الردّ من خلال التصعيد والإمعان في ضم أوكرانيا او جزء منها نهائياً إلى الفلك الروسي، على طريقة ما جرى في القرم.
إجراء الحسابات
التخوف أن بوتين أجرى حساباته وهو عازم على المضي قدما على اساسها. فالرجل يرى أن واشنطن اوباما متراجعة وغير قادرة ولا راغبة في المجابهة. كما يدرك أن أوروبا ما زالت في شبه غيبوبة اقتصادية. وبالتالي، الفرصة سانحة امام روسيا لتصحيح المعادلة ولو بحدود، بعد انتظار طال أمده. وجاءته ازمة اوكرانيا لتقدّم الفرصة المناسبة لهذا الغرض.
الخشية هي من الوقوع في دوّامة الفعل وردّ الفعل: توغل روسي يقابله عقوبات قد تثير المزيد من التوغل في الأزمة وهكذا دواليك. ربما لهذا اعرب رئيس وزراء اوكرانيا، أرسني ياتزانيوك، عن تخوفه من خطورة هذه المعادلة التي قد تؤدي إلى " حرب عالمية ثالثة تسعى إليها روسيا".
طبعاً قراءته مبالغ فيه وأقرب إلى التهويل. الأزمة لم تبلغ هذه الحدود. ثم لا التوازنات الحالية تسمح بتكرار حروب الماضي ولا العالم في حالة استقطاب محكوم بالمواجهة. بل لا روسيا ولا أميركا في هذا الوارد. لكن كلام المسؤول الأوكراني ليس من فراغ. ثمة خطر في ان تتحول الأزمة إلى اختبار قوة نفوذ بين قوة كبرى تعمل لاستعادة شيء من الهالة في محيطها، وبين قوة عظمى دأبت على التحذير من أن التمادي الروسي "سيكون له عواقبه ". بذلك يصبح التراجع متعذرا، على الجانبين ومعه تبقى الأزمة مفتوحة في احسن الحالات على حروب ونزاعات متداخلة .
ضغوط كثيرة
إدارة أوباما تواجه الكثير من ضغوط الكونغرس والإعلام وخبراء السياسة الخارجية، التي تحثها على تكثيف العقوبات ضد موسكو. البيت الأبيض تريث، ربما لأنه تهيّب الدخول في هذا النفق خشية تداعياته وانعكاساته السلبية على جبهات أخرى تضعها واشنطن في واجهة اهتماماتها. خاصة أن الأوروبيين غير متحمسين لهذا الخيار. لكن أوباما دخل طريق العقوبات، وفق ما توعّد به. وموسكو لا تبدو أنها في وارد مراجعة حساباتها.
أوكرانيا بالنسبة لها خط احمر، غير الخط الذي رسمه اوباما في سوريا. مرجعيات أميركية مثل هنري كيسنجر، حذّرت من عدم أخذ هذا الأمر بعين الاعتبار. وبحسب مختلف التقديرات، لن يحصر بوتين ردوده في الساحة الأوكرانية. لديه اوراق أخرى في الشرق الأوسط لن يتردد في استخدامها. بل قد يكون باشر في توظيفها وبما يزيد من سواد المشهد الذي تلبّدت أجواؤه بانهيار جنيف -2 ثم بطي صفحة المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية.
سلاح ذو حدين
العقوبات لغة اميركا في الزمن الراهن. هي سلاح بحدّين في حالات مثل روسيا. قد تكون فعّالة وفي ذات الوقت مؤدية إلى المزيد من التعقيد وتأجيج الصراع، خلافاً لغايتها المنشودة. من المرجّح أن يتعامل معها الرئيس بوتين كذريعة للتصعيد. وواشنطن التي لا تملك أكثر من هذه الورقة، لا تتحمّل خسارة جولة بحجم أوكرانيا. ومن هنا تأجيل البيت الأبيض لمباشرة فرض العقوبات، لئلا تكون ردة فعل موسكو من النوع الكاسر والمحرج وبما يؤدي إلى قطع الشعرة. مأزق تحاول واشنطن اجتنابه فيما يعمل بوتين على الاستفادة من خشية هذه الأخيرة.
